الاستياء لا يقتصر على المجال الصحي فقط، بل يتجاوز إلى مجمل آفاق الشباب المغربي. فالنظام التعليمي، ضعيف التمويل وغالباً غير ملائم، يخرج آلاف الخريجين بلا آفاق. الجامعات تبدو منفصلة عن احتياجات الاقتصاد الفعلية، بينما تصل بطالة الشباب إلى 35% في بعض المناطق الحضرية.
Tags : المغرب جيل زد Génération Z الصحة التعليم Genz212
منذ 27 سبتمبر، تهبّ رياح الاحتجاج على المغرب. فقد خرج الشباب – من طلبة، وباحثين عن عمل، ومواطنين حضريين – إلى الشوارع للتنديد بما يعتبرونه ظلماً جيلـيّاً. شعارهم: «الملاعب موجودة، لكن أين المستشفيات؟» في بلد يخصص فيه الدولة مليارات ضخمة لتنظيم كأس العالم 2030 بينما تنهار المستشفيات والمدارس، يثير هذا الحراك العفوي تساؤلات حول مستقبل استقرار المملكة.
جيل زد 212: ثورة رقمية تنتقل إلى الشارع
الحركة التي أطلقت على نفسها اسم جيل زد 212، في إشارة إلى رمز الهاتف الدولي للمغرب، وُلدت على منصة ديسكورد ووسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تنتشر في الشوارع. وهي تؤكد تموقعها كحركة غير سياسية، لكن مطالبها واضحة: الصحة، التعليم، الكرامة، والعدالة الاجتماعية.
الشرارة كانت وفاة عدد من النساء في مستشفى أكادير بعد عمليات قيصرية، وهو مأساة جسدت الغضب ضد نظام صحي منهار. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى الدار البيضاء، الرباط، سلا، ومدن أخرى. وفي القليعة، أسفرت المواجهات عن عدة قتلى، إضافة إلى مئات الاعتقالات.
«الملاعب موجودة، لكن أين المستشفيات؟»
هذا الشعار، الذي أصبح راية للمسيرات، يرمز إلى الفجوة بين أولويات الحكومة وتطلعات الشعب. فبينما تنفق الدولة ما يقارب 1,5 مليار يورو لاستضافة كأس العالم 2030، تفتقر البنية الصحية إلى أبسط الموارد، ما يؤدي إلى مآسٍ بشرية.
الشباب ينددون بسياسة مبنية على المظاهر وموجهة للخارج، على حساب الداخل. فصورة الملاعب اللامعة تتناقض مع صورة المستشفيات المتهالكة والمدارس المتروكة، وهو ما يغذي شعوراً عميقاً بالظلم الجيلي.
أزمة بنيوية
الاستياء لا يقتصر على المجال الصحي فقط، بل يتجاوز إلى مجمل آفاق الشباب المغربي. فالنظام التعليمي، ضعيف التمويل وغالباً غير ملائم، يخرج آلاف الخريجين بلا آفاق. الجامعات تبدو منفصلة عن احتياجات الاقتصاد الفعلية، بينما تصل بطالة الشباب إلى 35% في بعض المناطق الحضرية.
الشباب المغربي، الحضري والمتصل رقمياً بالعالم، يعيش في سجن من التوقعات المحبطة. فبينما يُظهر المغرب نمواً اقتصادياً مستمراً ويعلن نفسه قوة صاعدة، تبقى ثمار التنمية محصورة في أيدي أقلية. ووفق تقرير لوكالة S&P، تغذي هذه المفارقة خطراً متفجراً: أن تنقلب جيلٌ كامل نحو فقدان الثقة الجذري في المؤسسات.
شبح عدم الاستقرار
حراك جيل زد يطرح تحديين أساسيين. داخلياً، يهدد بجرّ بقية المجتمع إلى الاحتجاج. وإذا استمرت المطالب في التهميش، قد تتحول الفجوة الجيلية إلى انقسام اجتماعي وسياسي دائم، يضعف استقرار النظام.
أما خارجياً، فهو يلطخ صورة المغرب الدولية، الذي يعوّل على جاذبيته لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والشراكات الاستراتيجية. فالاضطرابات الاجتماعية المتكررة قد تُخيف المستثمرين وتضعف الرواية الرسمية عن مملكة مستقرة وحديثة.
هذا الحراك يندرج في سياق أوسع اجتاح العالم العربي خلال العقد الماضي: أجيال جديدة لم تعد تكتفي بوعود فضفاضة أو شعارات وحدة وطنية، بل تريد إجابات ملموسة، عاجلة وبنيوية.
خطر الاستغلال السياسي
لكن رولان لومباردي، المؤرخ ورئيس تحرير مجلة الديبلوماسي، يحذر من محاولات توظيف هذا الحراك سياسياً:
«مطالب الشباب المغربي مشروعة وعادلة، لكن آمل أن يتحلوا بنفس وعي شباب الجزائر في حراك 2019، حين رفضوا استغلال الإسلاميين والإخوان المسلمين لحركتهم. هؤلاء في المغرب، الذين كانوا مهيمنين في البرلمان، تم تهميشهم انتخابياً منذ 2020، بعد اتفاقيات أبراهام، وخسروا كل مقاعدهم، إضافة إلى تراجعهم أمام سلطة الملك. وهم اليوم محبطون، حاقدون، يتربصون بفرصتهم للانتقام. يجب الخوف من أنهم سيحاولون استغلال الفوضى كما حدث في بلدان أخرى خلال الربيع العربي. لقد رأيت أساليبهم في تونس، مصر وسوريا بين 2011 و2012، وأعرف تماماً مدى فاعليتهم الخطيرة. صحيح أن الطعن المباشر في سلطة ملك من سلالة النبي أمر بالغ الصعوبة، لكن لا يجب أبداً الاستهانة بهم، فهم بارعون في هذا المجال، دائماً منظمون، مدعومون وممولون من قطر…»
المغرب عند مفترق طرق
جيل زد المغربي لا يحمل مشروعاً سياسياً متكاملاً، لكنه يفرض معادلة بسيطة: الصحة، التعليم، الكرامة. ومن خلال فضح التناقض بين الإنفاق الباذخ والبؤس اليومي، يجبر السلطة على اتخاذ خيار مصيري: إصلاحات عميقة أو قمع متزايد.
رهان المغرب على كأس العالم 2030 لن يكون كافياً لتهدئة جيل يرفض أن يكون ضحية. فالانتفاضة الحالية قد تشكّل نقطة تحول تاريخية: إما أن تفتح الطريق نحو عقد اجتماعي جديد، وإما أن تعمّق الانقسامات في مملكة قد تنهار وعودها بالحداثة أمام واقع شباب غاضب
المصدر : لو دبلومات.ميديا
