فرار المهدي الحجاوي، نائب رئيس جهاز المخابرات المغربية الخارجية (لاجيد) السابق، إلى إسبانيا هرباً من السلطات المغربية، سلط الضوء على الفشل الذريع لجهاز المخابرات المغربي، باعتبار أن الحجاوي أشرف على عمليات استخباراتية حساسة في إسبانيا، شملت تجنيد شخصيات سياسية وإعلامية لدعم الموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية، وتنظيم حملات إعلامية حول العلاقة المزعومة بين جبهة البوليساريو والجماعات الإرهابية، فضلاً عن تنظيم احتجاجات تطالب بضم سبتة ومليلية للمغرب، وهو بذلك يعيد إلى فضيحة تجسس المغرب بواسطة برنامج “بيغاسوس” تعود من جديد إلى الواجهة
Tags : المغرب الجزائر الهاكر جبروت المهدي الحجاوي برنامج بيغاسوس
المغرب “الحجاوي قد يضطر للكشف عن معلومات سرية وبرنامج بيغاسوس سيعود إلى الواجهة”
زلزال عنيف يضرب المؤسسة الأمنية المغربية
المهدي حجاوي، الذي شغل لعدة سنوات منصب “الرجل الثاني” في جهاز المخابرات الخارجية المغربي، بل وعمل لفترة كرئيس أعلى له، لجأ إلى إسبانيا، هاربا من فرنسا، حيث كان تحت مراقبة دقيقة من قبل عملاء مجهولين. وبمجرد وصوله إلى مدريد، طلب الرباط محاكمته من العدالة الإسبانية، واختار عدم المثول أمام المحكمة الوطنية. وهو مطلوب الآن. وفي باريس، تعرضت زوجته وابنته المولودة حديثًا للمطاردة في الشوارع. وفي جويلية الماضي، تصالحت السلطات المغربية أخيرا مع السلطات الفرنسية، وخشي المهدي حجاوي أن تؤدي هذه الصداقة المتجددة بين الحكومات إلى الإضرار به. هناك بدأت رحلة هروبهم الاسبانية. وكان الحجاوي، البالغ من العمر 52 عاما، مطلعا جيدا على أساليب المديرية العامة للدراسات والوثائق (DGED)، وكالة الاستخبارات الخارجية المغربية. لقد عمل معها لمدة عقدين تقريبًا، وفي نهاية المطاف أصبح نائب مديرها. لفترة من الوقت، كان بمثابة رئيسها الفعلي، حيث أمضى مديرها ياسين منصوري فترة طويلة في إجازة مرضية بسبب الاكتئاب
الحجاوي هو ابن جنرال معروف في الجيش المغربي، وانضم إلى المديرية العامة للأمن الوطني سنة 1994، وأرسلته المصلحة إلى الخارج للتدريب في عدة مناسبات. قام ببعض التدريبات في أنشطة سرية في وكالة المخابرات المركزية؛ وبحسب مصادر مطلعة على سيرته الذاتية، فقد تلقى تعليمه في “قسم العمل” التابع للمديرية العامة للأمن الخارجي في فرنسا، وتعلم تقنيات الاستجواب مع جهاز الشاباك الصهيوني (الأمن الداخلي)، ومكافحة التجسس مع الموساد
وشارك “الرقم اثنين” في عمليات عديدة أو أدارها، كثير منها في إسبانيا، مثل تجنيد سياسيين وصحفيين للدفاع عن انتماء الصحراء الغربية للمغرب، وتسليط الضوء على الروابط المزعومة مع جبهة البوليساريو، والجماعات الإرهابية. وشجع أيضًا على التظاهر على أبواب سبتة ومليلية للمطالبة بـ “مغربيتهما”. كما حارب بكل ما أوتي من قوة، بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية، من أجل السيطرة على الاتحاد الإسباني للكيانات الدينية الإسلامية، الذي تتبع إليه مئات المساجد في الأراضي الإسبانية. لكن الجزء الأكبر من جهودهم كان موجها نحو الجزائر المجاورة، في محاولة لإشعال فتيل الانفصال في منطقة القبائل. ورغم هذا النشاط المفرط للتجسس المغربي في إسبانيا، فلم يحدث إلا مرة واحدة أن أوقفت السلطات الإسبانية جهاز المخابرات العامة الإسبانية (DGED). كان ذلك في أفريل 2013، عندما تقدم الجنرال فيليكس سانزرولدان، مدير المخابرات الوطنية آنذاك، بشكوى ضد نور الدين زياني، المغربي الذي جاء للوعظ في مساجد كتالونيا لتحويل المسلمين إلى حركة الاستقلال التي جسدت آنذاك حركة “آرتوس فور” المتقاربة. وبالإضافة إلى “تهديده للأمن القومي”، وصفه سانز رولدان بأنه “عميل مهم للغاية لجهاز استخبارات أجنبي منذ عام 2000”. وكان يشير بذلك إلى DGED. وتم طرده من إسبانيا في الشهر التالي
وفي ألمانيا وهولندا وبلجيكا، وحتى في إحدى المناسبات في فرنسا، تم اعتقال بعض المتعاونين مع أجهزة المخابرات المغربية ومحاكمتهم وحتى الحكم عليهم بعقوبات مخففة إلى حد ما. في إسبانيا، لم يحدث قط، باستثناء يوسف العال، الذي تم اعتقاله بناء على طلب من القضاء الألماني من خلال مذكرة اعتقال أوروبية أصدرها قاض ألماني. كان يشتبه في أنه يتجسس على المنفي الريفي لصالح جهاز المخابرات العامة. تم إرساله إلى فرانكفورت في 15 جانفي
وقد شهد المغرب انشقاقات بين مسؤولين من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، وهي الشرطة السرية المغربية التي تم نشرها أيضا في دول الاتحاد الأوروبي. وبقي العشرات من الوكلاء في الخارج مستفيدين من إجازة أو رحلة عمل. وبحسب تسريبات صحفية فإن 160 شخصا لم يعودوا إلى المغرب خلال العام 2022. وقد خفض عبد اللطيف الحموشي، مدير عام مراقبة التراب الوطني، هذا الرقم إلى 38. وكان المغرب يعرف مكانه. وبمجرد أن استقر في مدريد، شعر الحجاوي بخيبة أمل في البداية. لكن السلطات المغربية كانت تعلم مكانه، وفي سبتمبر، طلبت بالفعل من العدالة الإسبانية تحديد مكانه واعتقاله بهدف معالجة تسليمه بثلاث تهم، كما هو مذكور في الملف 61/2024: العضوية في منظمة إجرامية، والاحتيال. وتشجيع الهجرة غير الشرعية. وكثيرا ما تدرج الرباط مسألة الهجرة في طلبات تسليم المجرمين، لأنها تشك في أن القضاة الإسبان حساسون بشكل خاص لهذا الاتهام
ووقع الطلب المغربي على مكتب لويس فرانسيسكو دي خورخي ميساس، رئيس المحكمة المركزية للتحكيم رقم 1 التابعة للمحكمة الوطنية، الذي كان لسنوات عديدة مستشارا قضائيا في السفارة الإسبانية بالرباط. ولم يأمر القاضي بسجن الحجاوي وأفرج عنه مؤقتا. وفي أمره الصادر في 12 سبتمبر، تضمن تدابير احترازية مثل سحب جواز سفره والالتزام بالحضور إلى مركز الشرطة كل أسبوعين
وتم استدعاؤه مرة أخرى في 7 نوفمبر، لكن الحجاوي لم يمثل أمام المحكمة الوطنية. لقد أعطاه فرصة أخيرة، في 21 نوفمبر، ولكنه لم يظهر أيضًا. وبعد خمسة أيام أمر القاضي بالبحث عنه واعتقاله وسجنه حتى يتمكن من تنفيذ المثول المنصوص عليه في المادة 12 من قانون التسليم السلبي. ولم تتمكن الشرطة من العثور عليه. وهو يشتبه في أنه كان بالفعل بعيدًا، بفضل مساعدة شبكة من الأصدقاء القدامى في مختلف الأجهزة السرية الأوروبية الذين قدموا له خدمات. وكان بإمكان الحجاوي أن يحضر هذه الجلسات مع محاميه، وهو محامٍ جنائي معروف، وبما أنه لديه علاقات عائلية في مدريد، فمن غير المرجح أن يأمر القاضي باعتقاله بهدف تسليمه. لكن اختار الفرار
وفي ظهوره الوحيد أمام قاضي المحكمة الوطنية في سبتمبر/أيلول، نفى الحجاوي الاتهامات الواردة في الملف الذي قدمته العدالة المغربية. ولم يطلب اللجوء السياسي في إسبانيا لأن محاميه ألمح له إلى أن علاقة مدريد بالرباط جيدة إلى درجة أنه لن يحصل عليه أبدا. وكان يؤكد دائماً أمام محاميه وأصدقائه في قوات الأمن أن السلطات في بلاده تريد تصفية الحسابات معه لسببين: أحدهما سياسي والآخر شخصي
ويرجح أن السبب السياسي، هو إصداره وبمبادرة منه ورقة بيضاء مكونة من نحو 120 صفحة اقترح فيها إعادة هيكلة المنظومة الأمنية بأكملها في البلاد، من قوات الشرطة إلى الدفاع. وقام بتسليمها مباشرة إلى الملك محمد السادس في فيفري 2024 وأحالها أيضًا إلى ولي العهد مولاي الحسن. ويقال إن عمله أثار غضب أقرب معاوني الملك، الذين شعروا بأنه تم تجاوزهم عندما أوصى بقراءته بعناية
يطرح اختفاء مهدي الحيجاوي عديد التساؤلات حول مصيره في ظل التوترات السياسية والأمنية المحيطة به
وبينما تلاحقه السلطات المغربية، يبقى هروبه قضية حساسة تتشابك فيها المصالح الأمنية والسياسية بين الرباط ومدريد، فيما يعيد إلى الواجهة كل القضايا المشبوهة التي تخص جهاز المخابرات المغربي، وأولها فضيحة بيجاسوس وتجسس المغرب على عدة رؤساء دول، لهذا يسعى المغرب جاهدا، للقبض على الحجاوي قبل انكشاف المستور، إذا، كيف سيتعامل المغرب مع هذه القضية؟ ماهي أسباب الزيارة المفاجئة لمدير المخابرات المغربية، عبد اللطيف حموشي لإسبانيا، وهل لها علاقة بفرار المهدي حجاوي؟
ربط اسم الحجاوي بقضية بيجاسوس، هل ستفتح هذه القضية من جديد؟
سلطت قضية المهدي الحجاوي الضوء على التعقيدات والتحديات في مجال التجسس والعلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسباني، كيف ذلك؟
كيف أبان فرار مهدي الحجاوي عن ضعف جهاز المخابرات المغربي؟ الحجاوي شارك في عمليات عديدة وقضى حوالي عقدين من الزمن في جهاز المخابرات المغربي، هل سيبين عن قضايا وفضائح جديدة متعلقة بهذا الجهاز؟
: أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باتنة 1 ، الدكتور بوناب كمال
“انشقاق الحجاوي يكشف عن خلل جوهري في النظام السياسي والأمني وانهيار مبدأ الولاء والانضباط داخل الأجهزة الاستخباراتية المغربية”
يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باتنة 1، الدكتور بوناب كمال، أن جهاز المخابرات بطبيعته، يقوم على السرية والانضباط والتماسك الصارم، مما يجعل أي انشقاق داخله حدثًا بالغ الخطورة يحمل دلالات استثنائية. فكيف يكون الأمر إذا كان المنشق شخصية رفيعة المستوى مثل الحجاوي، الذي شغل مناصب حساسة، أبرزها نائب المديرية العامة للمستندات والدراسات (الاستخبارات الخارجية). إن انشقاقه يكشف عن خلل جوهري في النظام السياسي والأمني، وانهيار لمبدأ الولاء والانضباط داخل الأجهزة الاستخباراتية، وهو ما يُفهم في السياقات الاستخباراتية الأخرى على أنه مؤشر على صراعات داخلية عنيفة. كل هذه العوامل تجعل المخزن يدخل في حالة من الهلع والسعار الشديد، إذ يدرك أن المنشق يمتلك خزانًا من المعلومات الحساسة التي يمكن أن تتسبب في اختراقات خطيرة وتهدد استقرار نظامه المهترئ أصلًا. كما أن هذا الانشقاق يمثل ضربة قاسية لسمعة الدولة، مما يدفعها لبذل المستحيل لاستعادة السيطرة ومنع تداعيات هذه الأزمة الأمنية العميقة
وبما أن الحجاوي استقر في إسبانيا، فهناك احتمال كبير لاستغلال المعلومات التي يمتلكها بشأن تورط نظام المخزن في سرقة البيانات العسكرية من جزر الكناري ومليلية، بدعم من فرنسا. ونظرًا لأن هيكل الاستخبارات في الاتحاد الأوروبي يعتمد على تبادل المعلومات، فقد يمتد تأثير هذه التسريبات إلى دول أخرى تضررت من أنشطة المخابرات المغربية، مثل هولندا. خاصة وأن المفوضية الأوروبية اقترحت منذ 2015 إنشاء وكالة استخباراتية أوروبية لتعزيز التعاون الأمني بين الدول الأعضاء. كما قد يُكشف النقاب عن قضية اغتيال المعارض السياسي المهدي بن بركة، حيث تشير الدلائل إلى تورط جهاز المخابرات الخارجية المغربي في تصفيته، وسيتم كشف خطط ملاحقة معارضين مغاربة في الخارج وملاحقين. إضافة إلى ذلك، قد تتكشف فضائح متعددة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وهي قضايا لا يمكن لدول الاتحاد الأوروبي، باعتبارها قوة معيارية، أن تتجاهلها أو تتسامح معها
قوة جهاز المخابرات تكمن في القدرة على الاحتواء والقدرة الاستباقية في قراءة النوايا، كما أظهر صقور الجزائر مؤخرًا من خلال كشفهم لمخطط فرنسي يستهدف أمن الوطن. فشل المخابرات المغربية في قراءة نوايا الحجاوي للانشقاق يعكس ضعفًا في المتابعة الداخلية وأنظمة التحليل، ويعد دليلاً قاطعًا على هشاشة الانضباط داخل المؤسسة المخابراتية المغربية، كما قد يُعزى انشقاقه إلى عدم رضاه عن سياسات الجهاز أو تخوفه من تصفية داخلية
“الحجاوي قد يضطر للكشف عن معلومات سرية وبرنامج بيغاسوس سيعود إلى الواجهة”
وأضاف الدكتور بوناب، أن موقف الحجاوي الآن يبدو بالغ الحساسية، حيث من المحتمل أن يضطر للكشف عن معلومات تتعلق بالعمليات والاستخبارات المغربية بشكل عام، مما قد يزيد الضغط على السلطات المغربية ويؤثر سلبًا على علاقاتها مع إسبانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي
يتعقد الموقف أكثر إذا كانت هذه المعلومات تتعلق بسياسات أو علاقات استراتيجية مهمة، مثل عمليات التجسس باستخدام برنامج “بيغاسوس” التي استهدفت شخصيات بارزة، من بينها رئيس الحكومة الإسبانية وأعضاء من حكومته. وبالتالي، هناك احتمال كبير أن يتم استدعاؤه لاحقًا كشاهد أو كمصدر للمزيد من الأدلة، مما سيعزز أو يوسع التحقيقات الدولية ويعيد قضية التجسس إلى الساحة السياسية والإعلامية. هذه التطورات قد تشكل إدانة كبيرة للنظام المغربي، خاصة إذا تكشفت المزيد من التفاصيل حول طبيعة وأهداف تلك العمليات الاستخباراتية. في هذا السياق، من المنتظر أن يتم تسليط الضوء مرة أخرى على لجنة “بيغا” في البرلمان الأوروبي، التي تم تشكيلها للتحقيق في استخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس على شخصيات سياسية وصحفيين. عودة هذه اللجنة إلى الواجهة يعكس تصاعد الاهتمام الأوروبي بكشف التفاصيل المتعلقة بهذا النوع من الانتهاكات، مما يضاعف الضغوط على المغرب ويزيد من تعقيد الموقف الدبلوماسي في المنطقة
“الزيارة المفاجئة لحموشي إلى إسبانيا تكشف عن محاولة المغرب التنسيق مع اسبانيا بشأن هذا الانشقاق”
وأردف الدكتور بوناب، أن الزيارة المفاجئة التي قام بها مدير المخابرات المغربية إلى إسبانيا تحمل دلالات كبيرة تتجاوز البُعد الرسمي للزيارة. فهي تأتي في وقت حساس جدًا بعد انشقاق أحد أبرز المسؤولين في جهاز المخابرات المغربية، الحجاوي
الزيارة تكشف عن تسابق المغرب مع الزمن للتنسيق الاستعجالي مع السلطات الإسبانية بشأن هذا الانشقاق، والبحث في كيفية التعامل مع المعلومات الحساسة التي قد يكون الحجاوي قد كشف عنها. كما تشير إلى ضرورة دراسة تداعيات هذه الأزمة على الأمن القومي المغربي، وإلى احتمالية أن تكون هذه الزيارة جزءًا من مفاوضات استخباراتية تتعلق بكيفية التعامل مع ما قد ينطوي عليه هذا الانشقاق من أبعاد سياسية واستخباراتية. هذا الانشقاق يعد بمثابة زلزال عنيف ضرب المؤسسة الأمنية المغربية، حيث أحدث ارتباكًا كبيرًا داخل أروقتها. هذا الانشقاق، امتد تأثيره إلى الرأي العام المغرب، الذي بدأ يشكك في مصداقية وكفاءة الجهاز الأمني، مما يثير القلق بشأن القدرة على الحفاظ على سرية المعلومات وحمايتها. في حال كشف الحجاوي عن معلومات خطيرة لإسبانيا وباقي الدول الأوروبية، فإن الضغوطات على المغرب ستتصاعد، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي. تسريب مثل هذه المعلومات قد يضر بالمصالح الأمنية للمغرب، ويؤثر على علاقاته الاستخباراتية مع الدول الحليفة
“هشاشة أجهزة المخزن وضعف مركز الملك صحيا وسلطويا أنتج ازمات بنيوية عميقة داخل المنظومة”
يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بسكرة، البروفيسور نور الصباح عكنوش، أنه يجب وضع موضوع فرار المهدي الحجاوي في اطاره العام ،اي في ضوء هشاشة اجهزة المخزن الامنية بحكم صراع مراكز القوى على النفوذ و القمع، في ظل ضعف مركز الملك صحيا و سلطويا مما انعكس على اليات ادارة الحكم بشكل انتج ازمات بنيوية عميقة داخل المنظومة حيث تغلبت الخلافات الشخصية على منطق الدولة و اصبحت تتمظهر للعلن مما ينبئ بدنو اجل المخزن بالمعنى الهيكلي و الاستراتيجي خاصة عندما يتعلق الامر بجهاز حساس يمثل العمود الفقري للنظام المخزن .
ثانيا يبدو ان ما يحدث له بعد داخلي مرتبط بأزمة خلافة الملك المريض وبعد خارجي له صلة بنسق العلاقات بين مدريد والرباط من حيث الملفات ولمعلومات الحساسة التي بيد الدولة العميقة في البلدين، وأيضا ما يمكن أنه مخفي من صفقات وعمولات سرية أصبحت مصدر خلاف بين فواعل مؤثرة في صناعة القرار الامني في الرباط والتي تهدد بقاء البعض ومصالحهم بشكل مباشر
“من المتوقع ان نرى قريبا وجوه اخرى من داخل مستويات الحكم العميقة تكشف هوان بيت المخزن”
كما أوضح البروفيسور عكنوش، أن الجهاز المخابراتي في المخزن علبة سوداء من عهد الملك السابق حيث يوظف كأداة لإدارة البلد ومراقبة المعارضين وتصفية الخصوم وهندسة شبكات مرتبطة بالدعارة والمخدرات داخل وخارج المملكة لضمان استقرار المنظومة الحاكمة ويبدو ان هذا الجهاز أصبح جزء من تناقضات المشهد العلوي بسبب الصراعات البنيوية داخله وداخل القصر في الرباط بحكم تغول الفساد وتدافع الحسابات الذاتية على حساب الشعب المغربي
كما لفت البروفيسور عكنوش، بأن المغرب سيحاول استهلاك القضية باللعب على عامل الزمن لأنه معتاد على هكذا فضائح اصبحت بالنسبة له سياسة عامة في غياب استراتيجية رشيدة لتدبير مؤسسات مخزن بلغ حدوده الاخلاقية والسياسية وأصبح يعمل بسلوك العصب المتناحرة على ارث بال وليس بمنهج الحكم الراشد، ومن المتوقع موضوعيا ان نرى قريبا وجوه اخرى من داخل مستويات الحكم العميقة تكشف هوان بيت المخزن
“تداعيات “بيغاسوس” مازالت تثير المزيد من الجدل والانتقاد في أكثر من بلد”
فرار المهدي الحجاوي، نائب رئيس جهاز المخابرات المغربية الخارجية (لاجيد) السابق، إلى إسبانيا هرباً من السلطات المغربية، سلط الضوء على الفشل الذريع لجهاز المخابرات المغربي، باعتبار أن الحجاوي أشرف على عمليات استخباراتية حساسة في إسبانيا، شملت تجنيد شخصيات سياسية وإعلامية لدعم الموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية، وتنظيم حملات إعلامية حول العلاقة المزعومة بين جبهة البوليساريو والجماعات الإرهابية، فضلاً عن تنظيم احتجاجات تطالب بضم سبتة ومليلية للمغرب، وهو بذلك يعيد إلى فضيحة تجسس المغرب بواسطة برنامج “بيغاسوس” تعود من جديد إلى الواجهة
وبهذا الصدد، يؤكد الكاتب والإعلامي عبد الرحيم التوراني، أنه وإلى اليوم، لا زالت تداعيات “بيغاسوس” تحتل الصفحات الأولى من الصحف والمجلات وتتصدر المواقع الإخبارية، مثيرة المزيد من الجدل والانتقاد في أكثر من بلد
ففي سنة 2016، كانت المنطقة العربية سباقة في اكتشاف هذه البرمجية المتطورة بعد استهداف ناشط في مجال حقوق الإنسان من دولة الإمارات
ومن وقتها وضعت شركة “إن. إس. أو” في قفص الاتهام، بكونها تعمل في خدمة الحكومات والأنظمة الاستبدادية بغاية التجسس على المعارضين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان والمحامين، وشخصيات أخرى بمجالات مختلفة، على عكس زعمها “المساعدة على مكافحة الإرهاب والجريمة”
ورغم أن الشركة الصهيونية تتحفظ عن ذكر أسماء عملائها، فإن صحيفة “هآرتس” كانت قد كشفت عن لائحة بعض الدول التي أبرمت صفقات مع “إن. إس. أو” لتزويدها ببرنامج “بيغاسوس”. ونشرت الصحيفة الصهيونية في جانفي 2022 تقريرا أكدت فيه حصولها على لائحة موثقة تشمل أسماء ضحايا استهدفهم برنامج “بيغاسوس” التجسسي.
كما أن تقارير إعلامية وجهت أصابع الاتهام إلى المملكة المغربية، بتورطها في التجسس بواسطة “بيغاسوس” على هواتف عدد من الصحفيين والمناضلين الحقوقيين، بل طال الاتهام المخابرات المغربية باستهداف هواتف شخصيات بارزة من مسؤولي الجارة الشرقية الجزائر، وهاتف الرئيس الفرنسي، وأيضا هواتف شخصيات سياسية من الجارة الشمالية اسبانيا
يذهب الصحفي المغربي، علي المرابط، بعيدا، عندما يقول إن محاولة اقتحام الهاتف المحمول للرئيس الفرنسي “تتطلب ضوءا أخضر من القصر الملكي المغربي”، وأنه لا يمكن لأجهزة المخابرات المغربية أن تتصرف من دون موافقة الملك”
لكن السلطات المغربية التي اتهمت من منظمة العفو الدولية في هذا الصدد، أبدت استغرابها من “ادعاءات منظمة العفو الدولية وإحجامها عن الإدلاء بالأدلة المادية التي تثبت مزاعمها”، وظلت متمسكة بنفي اتهامها باستخدام برنامج “بيغاسوس” التجسسي ضد هواتف صحفيين ونشطاء. وبعدما عادت المنظمة الحقوقية الدولية في مارس الماضي، إلى اتهام الرباط بالتجسس ضد ناشطة صحراوية
وعادت السلطات المغربية من جديد لتحتج على ما وصفته بـ “مواصلة (أمنيستي) الترويج لادعاءاتها التعسفية بشأن حيازة وإساءة استغلال المغرب لبرنامج “بيغاسوس”، باستهداف نشطاء من المجتمع المدني”
وكانت السلطات المغربية رفعت دعوى قضائية، في شهر يوليو 2021، ضد “فوربيدن ستوريز” و”أمنيستي”، بتهمة “نشر معلومات افترائية وكاذبة”، وقدمت دعاوى مماثلة ضد يومية “لوموند” وموقع “ميديابار” وراديو فرنسا، من بين منابر إعلامية أخرى أجمعت على اتهام المغرب بالتجسس بواسطة “بيغاسوس” على هواتف شخصيات عامة وأجنبية
لم يتوقف تسليط الضوء على انتهاكات “بيغاسوس” في المغرب تجاه صحفيين ونشطاء حقوقيين من ضحايا التجسس، من بينهم الصحفي، أبو بكر الجامعي، والأستاذ المعطي منجب، والمحامي عبد الصادق البوشتاوي، والحقوقي فؤاد عبد المومني، والصحفي هشام المنصوري، وحسن بناجح، ومحمد حمداوي، وعبد الواحد متوكل، وأبو الشتاء مساعف، والأربعة الأخيرين قياديون من “جماعة العدل والإحسان” الإسلامية
وأيضا تعرّض هاتف الصحفي، عمر الراضي، لاختراق “بيغاسوس”، وتم التحقيق مع الراضي ومتابعته أمام المحاكم بتهمة “التخابر” ثم تهمة “الاغتصاب”، وحكم عليه في يوليو 2022 بست سنوات سجنا.
وعمر الراضي هو صحفي استقصائي فضح ملفات فساد تورطت بها شخصيات نافذة.
قضية “بيغاسوس” أدت ببعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن حصول المغرب على معلومة وصول زعيم البوليساريو سرا، بهوية مزورة إلى اسبانيا من أجل العلاج، ليس من المستبعد أن تكون المعلومة السرية قد التقطتها المخابرات المغربية من هاتف جزائري مصاب ببرنامج “بيغاسوس”
وعلى إثرها تأزمت العلاقات المغربية مع اسبانيا، وتحولت إلى خلاف دبلوماسي عالي التوتر. وقطعت الجزائر علاقتها الدبلوماسية مع المغرب، واتهمته بجلب العدو الصهيوني إلى حدودها.
ثم أتى الخبر الأكثر إثارة، وهو أن الهاتف الخاص للملك محمد السادس نفسه تم اختراقه من طرف المخابرات المغربية بواسطة “بيغاسوس”.
بهذا الصدد، يرى الصحفي، علي المرابط، أنه قد تكون محاولة لتبرئة ساحة القصر الملكي وبقية النظام من أفعال شبكة التجسس الواسعة، إذ “لا يمكن للملك أن يعلم بهذا، لأنه هو نفسه كان جرى التجسس عليه”
كما رجح احتمال أن يكون الأمر ضمن “متابعة الأجهزة الأمنية مكان الملك عن كثب من أجل حمايته والحفاظ على صورته، التي تضررت بشدة من الإشاعات الدنيئة المتصلة بالإخوة الثلاثة زعيتر المقربين من العاهل المغربي، خصوصا وأن الرأي العام يتابع منذ فترة حملة إعلامية ضدهم من منابر مقربة من الأجهزة”
في فرنسا وغيرها من بلدان الاتحاد الأوروبي، يتداول اتهام المغرب، خصوصا من طرف جهات إعلامية، بالوقوف خلف استهداف أرقام لسياسيين فرنسيين وبلجيكيين وإسبانيين.
ففي غضون هذا الأسبوع، تمت يوم الثلاثاء الأخير، إقالة رئيسة الاستخبارات، باز إستيبان، بسبب واقعة اختراق هواتف سياسيين إسبان، من بينها هاتف رئيس الوزراء، وهواتف شخصيات من الانفصاليين الكتالونيين.
بهذا الصدد، يثير جوزيه باوتيستا، صحفي استقصائي إسباني، شكوكا حول تورط المغرب، قائلا إن “هناك دلائل على أن هذا قد يكون مرتبطا بتوتر طويل الأمد مع المغرب حول منطقة متنازع عليها في شمال أفريقيا”
وذكّر أنه في العام الماضي، نشرت شبكة الصحفيين “Forbidden Stories” تحقيقا أظهر أن المغرب تجسس على أكثر من عشرة آلاف جهاز وهاتف باستخدام “بيغاسوس”. مائتان منها تعود لأرقام هواتف إسبانية، وأصحابها من السياسيين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان.
حدث هذا في لحظة كانت فيه إسبانيا والمغرب تمران في أسوأ أزمة في علاقاتهما الدبلوماسية.
ولم يصدر أي تأكيد رسمي إسباني حول قصة التجسس هذه، التي من شأنها أن تشكل أزمة خطيرة، قد تعكر صفو العلاقات الثنائية، بل قد تؤدي إلى زعزعة التوافق الحالي بين الرباط ومدريد
عموما، فإن المتتبعين للأوضاع في المغرب، يسطرون على ما يوصف بـ “العودة إلى سنوات الرصاص”، كما يؤكد ناشط حقوقي أنه “منذ “حراك الريف” في 2016، أصبح المغرب يسير بسرعة لافتة لم تكن متوقعة باتجاه العودة إلى “سنوات الرصاص”، يتجلى هذا في تزايد حدة قمع الاحتجاجات السلمية، واستشراء الفساد، وتدجين الصحافة، وإيداع المعارضين من الصحفيين والمدونين والنشطاء السجون.
لا شك أنها عناوين ساطعة لوضع اجتماعي واقتصادي وسياسي مأزوم ومغبون، ومن الصعب إبعاد بلد ما تتصدره مثل هذه العناوين، عن دائرة الاتهام باستخدامه “بيغاسوس” باعتباره من الأسلحة التي تلجأ إلى الأنظمة القمعية والمستبدة.
إن ما نراه الآن هو حقا مهزلة. فتكرار المآسي والجرائم الجسيمة لانتهاكات حقوق الإنسان هو عودة إلى “سنوات الرصاص”، وهذا يصنف في إطار “التاريخ لما يعيد نفسه”، الذي تكلم عنه المفكر الألماني، كارل ماركس، فحتما ستكون الإعادة على شكل مهزلة”.
إعداد : سارة دالي
Source : Africa News
المغرب #الجزائر #الهاكر_جبروت #المهدي_الحجاوي #برنامج_بيغاسوس#
