في مقال رأي نشره على حسابه في فيسبوك تحت عنوان «طريق الداخلة–نواكشوط: الضغط المغربي، الغموض الموريتاني والتمويل الإماراتي»، شنّ الدبلوماسي الجزائري السابق هجوماً حاداً على ما وصفه بالحياد الزائف لموريتانيا إزاء نزاع الصحراء الغربية. ويرى أن الرهان المغربي يتمثل أيضاً في جعل الداخلة ومحور الداخلة–نواكشوط امتداداً لعمقه التجاري نحو منطقة الساحل، وفرض أمر واقع يتعلق باحتلاله لهذا الإقليم.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه أشغال المقطع الأول من طريق تندوف–الزويرات، وقّعت المغرب وموريتانيا، في 21 سبتمبر بالرباط، اتفاقاً إطارياً بشأن إعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطنية رقم 4. ويُقدَّم هذا المشروع الطرقي باعتباره وسيلة لتسهيل حركة المبادلات بين نواكشوط ونواذيبو. غير أن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير من الناحية الاستراتيجية.
فهذا المحور لا يتوقف عند نواذيبو، بل يمتد إلى النقطة الكيلومترية 55، قبالة الكركرات، ليفتح بذلك استمرارية برية نحو الداخلة، في الأراضي الصحراوية المحتلة. وكان وزير التجهيز المغربي، نزار بركة، قد تحدث علناً عن الربط بين نواكشوط والداخلة عبر النقطة الكيلومترية 55.
وفي مواجهة مشروع الممر الجزائري نحو غرب إفريقيا، تعمل الرباط بكل قوة من أجل الاستحواذ على التدفقات التجارية المستقبلية باتجاه موريتانيا ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا. ولم يعد الهدف يقتصر على تسهيل المبادلات المغربية–الموريتانية، بل أصبح يتمثل في ترسيخ محور الداخلة–الكركرات–نواذيبو–نواكشوط، باعتباره العمود الفقري البري للطموح المغربي نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.
المبادرة الأطلسية وميناء الداخلة
من المنتظر أن يمنح ميناء الداخلة الأطلسي المستقبلي، الذي تُقدَّر كلفته بنحو مليار دولار، والمعلن عن دخوله الخدمة في عام 2028، لهذا المشروع منفذه البحري. ويُعد الميناء أحد أدوات «المبادرة الأطلسية» التي أطلقتها الرباط، والتي يُعلن رسمياً أنها تهدف إلى منح دول الساحل غير الساحلية منفذاً إلى المحيط الأطلسي.
غير أن هذه المبادرة الأطلسية المزعومة لا تنطلق من فضاء فارغ. فموريتانيا تمتلك بالفعل ممراً برياً يربط نواكشوط بباماكو، يبلغ طوله نحو 1350 كيلومتراً. ويربط هذا المحور الواجهة الأطلسية بالأسواق المالية، كما يشكل بالفعل طريقاً طبيعياً لمالي نحو المحيط الأطلسي. ومن ثم، يتمثل الرهان المغربي أيضاً في جعل الداخلة ومحور الداخلة–نواكشوط امتداداً لهذا العمق التجاري باتجاه منطقة الساحل.
معضلة الحياد الموريتاني
وهكذا تجد موريتانيا نفسها في قلب مشروعين متنافسين للممرات التجارية. ويمكنها الاستفادة من هذا الموقع لجذب الاستثمارات والتدفقات التجارية، وهو أمر طبيعي في منطق المنافسة الاقتصادية. لكن هذا الدور المركزي يضع أيضاً ادعاءها بـ«الحياد البنّاء» بشأن قضية الصحراء الغربية أمام اختبار حقيقي. فالصحراء الغربية لا تزال مدرجة من قبل الأمم المتحدة على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما يحتفظ الشعب الصحراوي بحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفقاً للقانون الدولي.
وفي الوقت نفسه، تساهم نواكشوط في ترسيخ محور اقتصادي يربط أراضيها بالكركرات والداخلة. وهذا يطرح سؤالاً سياسياً واضحاً: إلى أي حد يمكن للحياد «الدبلوماسي» أن يظل منفصلاً عن اندماج اقتصادي متزايد في المنظومة المغربية؟
ويظهر الغموض نفسه في مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب. فموريتانيا من بين الدول المعنية بهذا المشروع، ومن المفترض أن تبرم مع المغرب الاتفاقيات اللازمة لإنجازه. كما سبق للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمناجم (ONHYM) أن أجرى دراسات بحرية قبالة سواحل الداخلة. وهكذا ترسم الطرق والميناء وأنبوب الغاز تدريجياً منطقاً واحداً: تحويل الداخلة إلى رأس جسر اقتصادي نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، مع جعل موريتانيا منطقة عبور لا غنى عنها.
الدور المحوري لدولة الإمارات العربية المتحدة
ويبقى هناك طرف ثالث: دولة الإمارات العربية المتحدة. وكما أشرتُ في مقال سابق بعنوان «موريتانيا في قلب الهجوم المغربي–الإماراتي»، تنخرط الإمارات بشكل كامل في عملية تهدف إلى مواكبة الاستراتيجية المغربية للتغلغل في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. وتسعى هذه المقاربة، بالتوازي، إلى إبعاد موريتانيا عن الجزائر وجذبها إلى دائرة الدول التي انضمت إلى اتفاقيات أبراهام.
وفي موريتانيا، تتمتع الإمارات بحضور قديم نسبياً. ففي عام 2020، أعلنت أبوظبي بالفعل تخصيص ملياري دولار لمشاريع استثمار وتنمية، إلى جانب قرض ميسّر. كما موّل صندوق أبوظبي للتنمية عدداً من مشاريع البنية التحتية الطرقية في البلاد. لكن أبوظبي تعمل، في الوقت نفسه، وفق أجندتها الخاصة التي تتقاطع إلى حد كبير مع المصالح المغربية، وتتمثل في ترسيخ نفوذها على الموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد الإفريقية.
ولا يقتصر هذا الحضور على تمويل البنى التحتية فحسب، بل يستند أيضاً إلى شبكة موانئ ومنظومة لوجستية تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن وصولاً إلى المحيط الهندي. وتشكل شركتا AD Ports Group وDP World ذراعي هذا التوسع الإماراتي، من خلال امتيازات الموانئ والاستثمارات والممرات التجارية التي تربط الخليج بالأسواق الإفريقية. وتمنح هذه الاستراتيجية الإمارات حضوراً متزايداً على عدد من الواجهات البحرية الإفريقية، وتتيح لها بناء شبكة من الممرات التجارية، عبر سلسلة من الامتيازات، تربط إفريقيا بالخليج وآسيا وأوروبا.
تقاطع المصالح الجيوسياسية
تكتسب موريتانيا، في إطار هذه المنظومة، أهمية خاصة. فموقعها بين المغرب العربي والمحيط الأطلسي وغرب إفريقيا يجعلها نقطة عبور طبيعية للتبادلات الإقليمية. وهنا تتقاطع المصالح المغربية والإماراتية:
الرباط تسعى إلى هيكلة محور الداخلة–الكركرات–موريتانيا باتجاه غرب إفريقيا.-
أبوظبي تمتلك رؤوس الأموال والمشغلين القادرين على الاستثمار في الموانئ والبنى التحتية التي تمد هذه الممرات التجارية.-
وهكذا تجد موريتانيا نفسها عند تقاطع استراتيجيتين. فهي من جهة تشكل ممراً للطموح المغربي نحو غرب إفريقيا، ومن جهة أخرى تمثل مجالاً لتوسع الاستراتيجية الإماراتية في مجال الموانئ والخدمات اللوجستية.
وخلف طريق الداخلة–نواذيبو–نواكشوط، تدور بالتالي معركة أوسع حول الممرات التجارية والموانئ والطاقة والسيطرة على التدفقات المستقبلية بين المغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا. وهي دينامية تتطور، للأسف، على حساب الشعب الصحراوي.
##موريتانيا_الصحراء_الغربية #موريتانيا_المغرب #موريتانيا_الكركرات #طريق_الداخلة_نواكشوط #الصحراء_الغربية #المغرب_الساحل #المغرب_الإمارات #الكركرات #موريتانيا #الداخلة #نواكشوط #الإمارات_العربية_المتحدة
Soyez le premier à commenter