مع اقتراب الاجتماع المقبل لمجلس الأمن الدولي المخصص لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو)، تكثف الرباط والجزائر تحركاتهما الدبلوماسية لدى أعضاء المجلس، في وقت تسعى فيه المغرب إلى ترسيخ الدعم لمقترح الحكم الذاتي، بينما تراهن الجزائر، من بين أمور أخرى، على واشنطن لتجنب إعطاء الملف أولوية أكبر داخل الإدارة الأمريكية.
دخلت المعركة الدبلوماسية حول الصحراء الغربية مرحلة جديدة، مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الأمن الدولي المقبل. فقد كثفت الرباط والجزائر اتصالاتهما مع أعضاء المجلس، سعياً من كل طرف إلى التأثير في مضمون القرار المرتقب بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).
ووفق تحليل نشرته افريكا انتلجنس في 21 سبتمبر/أيلول، تعمل الدبلوماسيتان المغربية والجزائرية على استقطاب أعضاء مجلس الأمن قبل التصويت. وبحسب المصدر، تأمل الرباط في الدفع نحو تغيير وضع مينورسو بصيغتها الحالية، بينما تراهن الجزائر خصوصاً على واشنطن حتى لا يتحول ملف الصحراء الغربية إلى أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية.
معركة دبلوماسية على مستوى الأعضاء غير الدائمين
إلى جانب الأعضاء الخمسة الدائمين، الولايات المتحدة والصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة، يضم مجلس الأمن حالياً عشرة أعضاء غير دائمين، هم البحرين وكولومبيا والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وباكستان وبنما وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال.
ويمثل هؤلاء الأعضاء العشرة مجالاً مهماً للتحرك بالنسبة للدبلوماسيتين المغربية والجزائرية، خصوصاً أن عدداً منهم سبق أن عبّر عن مواقف متفاوتة الوضوح بشأن النزاع. وتشير افريكا انتلجنس إلى أن الرباط والجزائر تعملان على استمالة هذه الدول قبل التصويت المرتقب.
وتبرز كولومبيا مثالاً على التحولات الأخيرة في مواقف بعض الدول. فبعد انتخاب أبيلاردو دي لا إسبرييلا في يونيو/حزيران، أعلنت بوغوتا في أغسطس/آب اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وذلك بعد أن كان الرئيس السابق غوستافو بيترو قد أعاد الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
أما البحرين، فمن المتوقع أن تواصل تبني الموقف التقليدي لعدد من دول الخليج الداعم للموقف المغربي. وفي السياق ذاته، وجهت الرباط دعوة إلى وزيرة الخارجية الليبيرية سارا بيسولو نيانيتي لزيارة المغرب في مطلع سبتمبر/أيلول، في إطار مساعي تعزيز الدعم لموقف الرباط. ولليبيريا قنصلية في الصحراء الغربية.
الدنمارك واليونان: دعم لمقترح الحكم الذاتي دون اعتراف بالسيادة
يبدو موقف كوبنهاغن أكثر حذراً. ووفق افريكا انتلجنس، صوتت الدنمارك في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لصالح القرار الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن تصويتها لا يشكل اعترافاً بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول، توجه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى كوبنهاغن للقاء نظيره لارس لوكه راسموسن. غير أن الصياغة التي استخدمها الوزير الدنماركي بقيت حذرة، إذ وصف المقترح المغربي بأنه «مساهمة جدية وأساسية» في العملية التي تقودها الأمم المتحدة.
وفي أثينا، حصل بوريطة أيضاً على موقف يوصف بأنه مؤيد عموماً للمقترح المغربي. غير أن وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس اختار الالتزام بصياغة الأمم المتحدة، معتبراً أن الخطة المغربية «قد تكون الحل الأكثر قابلية للاستمرار»، من دون الذهاب إلى حد الاعتراف بالسيادة المغربية.
«دبلوماسية الفوسفات» في مواجهة التحرك الجزائري في قطاع الطاقة
لا تقتصر التحركات المغربية على الاتصالات السياسية. فقد أصبحت بنما، بحسب المصدر، إحدى الدول التي تسعى الرباط إلى استمالتها.
وكانت بنما قد سحبت في 2024 اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، كما صوتت لصالح قرار الأمم المتحدة لعام 2025. وتشير افريكا انتلجنس إلى أن المغرب فعّل ما وصفه المصدر بـ«دبلوماسية الفوسفات»، من خلال تقديم شحنة من الأسمدة، بالتوازي مع طرح إمكانية إنشاء مركز إقليمي للتوزيع في بنما يمكن أن تتولى مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) تطويره.
في المقابل، تعمل الجزائر على تعزيز اتصالاتها مع عدد من الدول. وتبرز باكستان باعتبارها إحدى العواصم التي تراهن عليها الجزائر، خصوصاً بعد امتناع إسلام آباد عن التصويت في 2025.
وخلال 2026، أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف عدة لقاءات مع نظيره الباكستاني إسحاق دار. غير أن التحرك الجزائري يركز أيضاً على جمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال، حيث تعرض الجزائر، وفق المصدر، التعاون والمساعدة في تطوير قطاعي النفط والغاز في الكونغو الديمقراطية.
الصومال.. ورقة دبلوماسية تحت المراقبة
يحظى موقف مقديشو باهتمام خاص أيضاً. فقد صوتت الصومال لصالح قرار الأمم المتحدة لعام 2025، لكن علاقاتها مع الجزائر شهدت تطوراً خلال العام الجاري.
وتشير افريكا انتلجنس إلى التقارب الذي تطور بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود، فضلاً عن إدانة الجزائر اعتراف إسرائيل بما يسمى «أرض الصومال» (صوماليلاند).
وقد يكون هذا العامل مؤثراً في موقف مقديشو خلال التصويت المقبل. وفي المقابل، تقول الرباط إنها تدعم «الموقف الوطني لجمهورية الصومال»، إلا أن هذه المواقف نُقلت، وفق المصدر، عن مصدر مجهول في وزارة الخارجية المغربية، في وقت تحافظ فيه الرباط على علاقات وثيقة مع إسرائيل.
واشنطن في قلب المعركة الدبلوماسية المقبلة
بعيداً عن الأعضاء غير الدائمين، تتجه الأنظار بشكل خاص إلى واشنطن. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس عدة سيناريوهات بشأن مستقبل بعثة مينورسو، بالتزامن مع اقتراب موعد التصويت في مجلس الأمن.
ووفق افريكا انتلجنس، وصلت المفاوضات التي بدأت في 2025 إلى طريق مسدود. وتحاول الجزائر الاستفادة من هذا الجمود، معتمدة جزئياً على احتمال أن تتراجع إدارة ترامب عن منح الملف أولوية كبيرة.
أما الرباط، فتسعى إلى الحفاظ على الانخراط الأمريكي في الملف وتعزيز دعم موقفها داخل الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، قرر المغرب في منتصف سبتمبر/أيلول رفع مستوى تمثيله الدبلوماسي لدى إسرائيل إلى رتبة سفارة، وهي خطوة حظيت، بحسب المصدر، بدعم إدارة ترامب.
وهكذا، تبدو المحطة المقبلة في مجلس الأمن اختباراً دبلوماسياً جديداً لكل من الرباط والجزائر. ولا يتعلق الأمر فقط بصيغة القرار الذي سيُطرح للتصويت، بل أيضاً بالمسار الذي ستتخذه العملية السياسية مستقبلاً، وبمستقبل دور بعثة مينورسو ومكانة المقترحات المختلفة في المفاوضات المتعلقة بالصحراء الغربية.
الصحراء_الغربية #المغرب #الجزائر #مجلس_الأمن_الدولي #المينورسو#
Soyez le premier à commenter