منذ تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحولت كرة القدم إلى مشروع مركزي يحظى بدعم سياسي ومالي وإعلامي كبير. وقد راهنت الاستراتيجية المعتمدة على بناء منتخب قوي قادر على تحقيق نتائج استثنائية، خصوصاً من خلال استقطاب المواهب المغربية المتألقة في الدوريات الأوروبية.
كان استقدام أسماء مثل حكيم زياش، أشرف حكيمي، سفيان بوفال، نايف أكرد وآخرين من أبرز ملامح هذه السياسة. ثم جاءت المشاركة المغربية في مونديال قطر 2022 لتمنح المشروع دفعة غير مسبوقة، بعدما بلغ المنتخب نصف النهائي، في إنجاز تاريخي جعله أول منتخب إفريقي يصل إلى هذا الدور.
لكن النجاح في قطر لم يتحول، بحسب منتقدي إدارة الكرة المغربية، إلى مسار مستدام من التتويجات. فبعد الإنجاز العالمي، ارتفعت سقوف التوقعات، وتحول الخطاب من الطموح إلى الوعود بتحقيق الألقاب القارية والدولية.
غير أن النتائج اللاحقة لم تكن في مستوى تلك الوعود. فقد أخفق المنتخب في انتزاع كأس إفريقيا للأمم، كما ظهرت خلافات وإشكالات مرتبطة بإدارة عدد من اللاعبين، من بينهم حكيم زياش، الذي انتهى مساره مع المنتخب وسط جدل واسع.
وتفاقمت الانتقادات بعد نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال، حيث أثارت المباراة، وما رافقها من قرارات وأحداث مثيرة للجدل، نقاشاً واسعاً حول مستوى الإعداد النفسي والتكتيكي والانضباط داخل المنتخب. كما أثارت بعض التصرفات الفردية للاعبين، التي تداولتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أسئلة حول صورة المنتخب وقواعد السلوك التي يفترض أن تحكم لاعبيه.
ويرى منتقدو الجامعة أن بناء منتخب قوي لا يعتمد فقط على استقطاب النجوم المحترفين في أوروبا أو ضخ الأموال في البنية التحتية، وإنما يحتاج أيضاً إلى مشروع رياضي متكامل، يبدأ من تكوين الناشئين ويمر عبر تطوير الأندية والبطولات المحلية وينتهي ببناء منظومة قادرة على إنتاج المواهب باستمرار.
كما أن التركيز المفرط على كرة القدم يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الرياضة المغربية. فباستثناء بعض النتائج المتفرقة في ألعاب القوى والعدو الريفي وغيرها من الرياضات الفردية، لا تزال رياضات عديدة تعاني من ضعف الحضور الجماهيري والاستثمار والبنية التحتية مقارنة بحجم الموارد والاهتمام الموجه إلى كرة القدم.
وتتجاوز الانتقادات الجانب الرياضي لتطال أيضاً العلاقة بين كرة القدم والمشهد الاجتماعي. فبينما تستثمر الدولة بشكل كبير في الملاعب والمنشآت استعداداً للاستحقاقات الدولية، تواجه قطاعات اجتماعية أخرى مطالب متزايدة تتعلق بالتعليم والصحة وفرص العمل.
وفي هذا السياق، يرى منتقدو النموذج الحالي أن كرة القدم لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لصرف الأنظار عن الاختلالات الاجتماعية، بل يجب أن تكون جزءاً من سياسة رياضية واجتماعية شاملة، تستفيد منها مختلف الفئات والجهات والرياضات.
أما على مستوى المؤسسة الكروية، فإن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً حقيقياً لفوزي لقجع وللجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فبعد سنوات من الاستثمار الكبير والإنجاز التاريخي في قطر، لم يعد الجمهور المغربي يكتفي بالوعود أو بالوصول إلى الأدوار المتقدمة، بل ينتظر ألقاباً وأداءً مستقراً ومشروعاً واضحاً للمستقبل.
لقد كان إنجاز قطر لحظة استثنائية في تاريخ كرة القدم المغربية، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلاً عن بناء منظومة رياضية مستدامة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بمباراة واحدة أو بطولة واحدة، وإنما بقدرة المؤسسة على الحفاظ على المستوى، وتجديد المنتخب، وتكوين الأجيال المقبلة، وتطوير الرياضة الوطنية بمختلف فروعها.
وهنا يبدو أن السؤال الأهم لم يعد: هل يستطيع المغرب إنتاج منتخب قوي؟ بل: هل يستطيع تحويل النجاح الكروي إلى مشروع رياضي وطني طويل الأمد؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه كرة القدم المغربية اليوم.
المغرب #الاستراتيجية_الرياضية_الكروية #فوزي_لقجع#
Soyez le premier à commenter