في أواخر يوليو وأوائل أغسطس 2026، تصارع قياديان بارزان في جبهة البوليساريو، هما محمد سالم ولد السالك (المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية، والاسم الحركي « امحمد/البخاري ») والبشير مصطفى السيد (عضو الأمانة الوطنية ورئيس المجلس الوطني الصحراوي)، عبر مقالات متبادلة، كشفت عن عمق الجدل الداخلي حول كيفية التعامل مع المتغيرات الدولية، وخصوصاً الضغوط الأمريكية وطرح المغرب للحكم الذاتي. هذا النقاش، الذي دار في فترة حرجة (2026)، يبرز التوتر بين تيار التمسك بـ »خيار المقاومة والصمود الاستراتيجي » كخط أحمر، وبين قراءة الواقع التفاوضي الذي يفرض مناقشة حلول وسط.
يتضمن هذا التحليل عرضاً للنصوص الثلاثة (مقال ولد السالك الأول، رد بشير مصطفى السيد، وتعقيب ولد السالك الأخير) مع تعليق موضوعي على مضامينها ودلالاتها.
أولاً: مقال محمد سالم ولد السالك الأول – « خيار المقاومة والصمود الاستراتيجي » (31 يوليو 2026)
يُعتبر هذا المقال البيان التأسيسي للنقاش. يطرح الكاتب رؤيةً استراتيجيةً مبنيةً على ثلاث مسلمات تاريخية وحقوقية:
شرعية المقاومة التاريخية: يستند إلى تجربة الشعب الصحراوي، بدءاً من انطلاق الكفاح المسلح عام 1973 تحت قيادة الولي مصطفى السيد، وصولاً إلى إعلان الجمهورية عام 1976. يصف المغرب بأنه « احتلال » هُزم عسكرياً في الماضي، مستشهداً بمعارك تاريخية شبّهها بمعركة « ديان بيان فو ».
قراءة واقع المغرب: يرسم صورة قاتمة للمغرب، معتبراً أن تطبيع علاقاته مع إسرائيل وتحالفه مع قوى غربية (فرنسا، أمريكا، الإمارات) هو دليل على « الفشل » و »البهدلة »، وأن هذه التحالفات ليست سوى محاولة لإنقاذ العرش من الانهيار، وليست قوة حقيقية.
الرفض المطلق للحلول المساومة: يرفض المقال، بشكل قاطع، أي حل يقوم على « السيادة المغربية » أو الحكم الذاتي، واصفاً إياه بـ »انقلاب على الشرعية الدولية ». ويؤكد أن الشعب الصحراوي أمامه خياران: « الوجود الأبدي أو الفناء »، وأن الحل الوحيد هو الاستقلال عبر استفتاء تقرير المصير.
الصمود كاستراتيجية: يطرح « الصمود الاستراتيجي » كخيار وطني لاجتياز ما يسميه « الامتحان الأخير »، متجاهلاً أو مُقلِّلاً من شأن المتغيرات الدولية الجديدة التي يعتبرها مجرد « عراقيل » عابرة.
الخلاصة: هذا المقال هو بيان عقائدي صارم، يكرس الخطاب الوطني التاريخي، ويستبعد أي مرونة تفاوضية، ويراهن على إرادة الشعب وحدها، في مقابل تحالف دولي وُصف بـ »غير الأخلاقي ».
ثانياً: رد البشير مصطفى السيد – « مناقشة مقترحات الحكم الذاتي لا تعني قبول الشعب الصحراوي بها » (1 أغسطس 2026)
يُمثل هذا الرد نقلة نوعية في النقاش، إذ ينتقل من الخطاب العقائدي المطلق إلى الاعتراف بوجود تعقيدات سياسية. أبرز ما جاء في رده:
اتهام بـ »تبرئة الذمة »: يوجه السيد اتهاماً ضمنياً لولد السالك (الذي شغل منصب وزير الخارجية ورئيس الفريق المفاوض) بأن مقاله يحاول « تبرئة الذمة » من مسؤولية المفاوضات السابقة التي قادها بنفسه. يسأل السيد: « تبرئة ذمة من وماذا؟ » مؤكداً أن ما يُطرح الآن ليس جديداً، بل هو استمرار لمسار التفاوض.
الفصل بين « المُناقشة » و »القبول »: هذه هي النقطة الجوهرية في الرد. يعترف السيد بوجود ضغوط أمريكية، وبأن الفريق المفاوض انفتح على « مناقشة » مقترحات الحكم الذاتي والآراء الأمريكية كجزء من العملية التفاوضية تحت الضغوط. لكنه يرفض بشكل قاطع وصف ذلك بأنه « قبول » من الشعب الصحراوي بهذا الخيار، واصفاً أي حديث عن القبول بأنه « تخريف واعترافات تحت تعذيب متخيل ».
التمسك بالثوابت: يؤكد السيد أن هذا الانفتاح التفاوضي لا يعني أبداً « تصفية القضية »، وأن الشعب سيظل متمسكاً بتقرير المصير مهما اجتمع الخصوم والحلفاء.
الخلاصة: حاول البشير مصطفى السيد تقديم موقف وسطي؛ اعترف بواقع المفاوضات والضغوط، لكنه شدد على أن هذا لا يعكس تغيراً في الموقف الوطني النهائي، محاولاً الحفاظ على التوازن بين الحقيقة السياسية والخطاب الثوري.
ثالثاً: تعقيب محمد سالم ولد السالك (2 أغسطس 2026) – « الدولة الصحراوية المستقلة هي الحل »
يأتي هذا التعقيب كردّ مكثف على انتقادات بشير مصطفى السيد، وكتصحيح للمسار ولتأكيد المواقف. تمحور التعقيب حول ثلاث نقاط رئيسية:
توضيح العقيدة والثوابت: يعيد ولد السالك التأكيد على المبادئ الثابتة (الملكية الحصرية للأرض، الحدود المعترف بها، الحق في تقرير المصير)، ويصرّ على أن هذه ليست مجرد شعارات، بل أساس « العقيدة السياسية » للجبهة.
الرد على اتهام « تبرئة الذمة »: يتجنب ولد السالك الدخول في اتهامات مباشرة، لكنه يقدم شرحاً مفصلاً لطبيعة المرحلة الحالية، فيردّ ضمنياً على من يصفون انفتاحه بـ »التخريف ». ويوضح أن ما يجري ليس « تفاوضاً » بالمعنى الدقيق، بل هو « حوار » وُضعت فيه كل الأطروحات على الطاولة، وأن الوفد الصحراوي لم يتنازل عن ثوابته، بل أرسل رسائل رفض واضحة للإملاءات الأمريكية والمغربية.
قراءة الظرفية الدولية: يعترف ولد السالك بتعقيد المشهد العالمي (الحروب، ضعف الأمم المتحدة، انحياز أمريكا)، مما يستدعي بحسب رأيه « إعداد العدة » و »التكيف »، لكنه يصر على أن هذا التكيف لا يعني تخلياً عن الهدف النهائي، بل هو تكيف تكتيكي في إطار « حرب التحرير في ظروف جديدة ».
فصل الأدوار: يُقدّم تصحيحاً مهماً بقوله إنه في « الحوار » الأخير طُلب من الأطراف السرية، لكن المغرب وأمريكا خرقا ذلك لإعطاء تفسيرات مغلوطة، مما اضطر الطرف الصحراوي للرد علناً. وهذا تفسير مباشر لسبب كتابة مقالته الأولى.
الخلاصة: يُصر ولد السالك على عدم وجود تنازل، ويُقلب الطاولة على منتقديه بأنه هو من يدافع عن الثوابت في وجه محاولات التفاف أمريكية مغربية، ويُبرر مناقشة الحكم الذاتي كجزء من « الحوار » الذي فُرض، وليس كخيار وطني.
تحليل النقاش وقراءة ما بين السطور
هذا التبادل للمقالات بين قياديين من الصف الأول يحمل دلالات أعمق مما يظهر على السطح:
الخلاف حول التكتيك لا حول الاستراتيجية: لا يختلف الرجلان على الهدف النهائي (الاستقلال الكامل)، لكن الخلاف جوهري حول كيفية قراءة الواقع. ولد السالك يرى أن « الصمود » يكفي لفرض السيادة، بينما يقرّ بشير مصطفى السيد (ضمنياً) بأن الصمود وحده غير كافٍ، وأنه يجب الاعتراف بأن عملية « مناقشة » الحلول، تحت الضغط، هي واقع لا مفر منه، مع التحذير من مغبة تفسير هذه المناقشات على أنها قبول.
صراع المسؤولية التاريخية: يتهم بشير مصطفى السيد (وهو رئيس المجلس الوطني، السلطة التشريعية) القيادة التنفيذية (وخصوصاً ولد السالك) بمحاولة تبرئة نفسها من نتائج المفاوضات التي قادتها. في المقابل، يحاول ولد السالك تقديم نفسه كحامي للعقيدة، مدافعاً عن « الوفد المفاوض » بوصفه مضطراً للتعامل مع معطيات صعبة، لكنه لم يبح بقبوله.
أزمة الثقة في الخطاب الموجه للقاعدة: يبدو المقال الأول (ولد السالك) موجهاً للقاعدة الجماهيرية لتثبيت معنوياتها، مؤكداً أن المقاومة مستمرة وأن التحالف الدولي لن ينجح. بينما رد بشير مصطفى السيد يحاول أن يخاطب النخبة السياسية، معترفاً بوجود « ضغوط » و »مناقشات » لا يجب إخفاؤها، لكن مع حرص شديد على منع تسرب أي انطباع بقبول الحكم الذاتي، خشية انهيار التماسك الداخلي.
محاولة ضبط السردية: المقال الأخير لولد السالك هو محاولة لضبط السردية وردم الهوة؛ إذ يصر على أن « الحكم الذاتي » مجرد موضوع للمناقشة في الحوار، وليس خياراً، ويعيد تأطير الانتقادات الموجهة إليه بأنها تأتي بسبب نقص المعلومات، وليس بسبب اختلاف جوهري.
خاتمة: قيادة في مفترق طرق
يكشف هذا النقاش العلني عن حالة من الترقب والقلق داخل مؤسسات جبهة البوليساريو في منتصف عام 2026، إذ تجد القيادة نفسها أمام معضلة صعبة: كيف تحافظ على شرعية خطابها الثوري الصارم (الاستقلال والمقاومة) وقاعدة جماهيرها، بينما تواجه تحولات دولية كبرى تميل كفتها لصالح المغرب، وتفرض عليها مناقشة حلول (كالحكم الذاتي) كانت تعتبرها خطاً أحمر؟
يبدو أن هناك محاولة لخلق توازن دقيق: السماح بتداول النقاش حول آليات التفاوض في أروقة النخبة، مع التمسك بالخطاب الراديكالي « الصمود » و »الوجود الأبدي » لتجنب انفجار القاعدة الشعبية. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر، فقد تؤدي إلى مزيد من الانقسامات الداخلية، أو إلى فقدان الثقة في القيادة إذا ما بدا للجمهور أن القيادة تتنصل من مسؤولياتها أو تُدير نقاشات لا تتوافق مع التضحيات التاريخية. النقاش يبقى مفتوحاً، لكنه يؤكد أن الجبهة دخلت مرحلة جديدة من مراجعة حساباتها، وإن كانت تصر، علناً، على أنها لن تتنازل عن شعار « الاستقلال ».
الصحراء_الغربية #المغرب #جبهة_البوليساريو #مسلسل_المفاوضات #البشير_مصطفى_السيد #محمد_سالم_ولد_السالك#
Soyez le premier à commenter