صحيفة جزائرية : من المرجح أن تدفن الجزائر في الأشهر المقبلة 50 عاماً من كفاح البوليساريو 

حول مسألة الصحراء الغربية، الركيزة التاريخية الأخرى للدبلوماسية الجزائرية، أصبح الموقف الجزائري الآن "غير مسموع". خاصة مع الدعم الأمريكي والإسباني والفرنسي للخطة المغربية. وبينما يظل الدعم الرسمي للحق في تقرير المصير قائماً، يلاحظ بعض المراقبين نبرة أقل هجومية تجاه المواقف الأمريكية المؤيدة بوضوح للخطة المغربية. بل ولم يصدر أي تنديد بدعم دونالد ترامب للخطة المغربية. وهنا أيضاً، يجب الاعتراف بأن الأمم المتحدة تبدو خارج اللعبة.

إيران، غزة، الصحراء الغربية: عندما تدفن الجزائر مبادئها الراسخة

تسير « جزائر تبون الجديدة » الآن فوق حقل من الألغام. فبشأن الحرب في إيران، أو تغيير السلطة في سوريا، أو الحرب التي تشنها الجيوش الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، يبدو « تغيير المسار » أكثر إثارة للذهول.

أمام العودة الهجومية لدونالد ترامب والتأكيد الصريح للقوة الأمريكية، يبدو أن النظام الذي شكله عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة قد أجرى تحولاً دبلوماسياً يكشف عن توجس لم تشعر به السلطات السابقة قط. رسمياً، يتعلق الأمر بـ « براغماتية » تمليها الحقائق الجيوسياسية، أما غير الرسمي، فيرى الكثيرون فيه انعطافاً قسرياً أملته الخشية من إغضاب واشنطن.

صمت مريب بشأن إيران

عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة ضد إيران، اتجهت الأنظار بطبيعة الحال نحو شركاء طهران التقليديين. وبينما أكدت روسيا والصين تنديدهما بهذه الحرب ضد طهران، واختارت إسبانيا معسكر الرفض (على عكس فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي اصطفت خلف واشنطن وتل أبيب)، اختارت جزائر تبون صمتاً صادماً.

رد فعل تبون لم يعد يفاجئ أحداً، فمنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، قطعت الدبلوماسية الجزائرية نهائياً مع « عنترياتها ». فبدلاً من الإدانة الحازمة للضربات الأمريكية الإسرائيلية أو التنديد بالاعتداءات على المدنيين الإيرانيين، أعربت وزارة الخارجية عن تضامنها مع ملكيات الخليج المستهدفة بنيران الرد الإيراني. بل إن عبد المجيد تبون كثف من مكالماته الهاتفية « المطمئنة » لقادة ملكيات الخليج للتعبير عن دعمه لهم في أعقاب الهجمات الإيرانية. لكن، لم تصدر أي كلمة مواساة للشعب الإيراني المسحوق تحت قنابل التحالف الأمريكي الإسرائيلي. ولا كلمة واحدة أيضاً عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ولم تُقدَّم تعازٍ رسمية وعلنية. يتناقض هذا الصمت تماماً مع الخطاب التقليدي للجزائر، التي عُرفت تاريخياً بمسارعتها للتنديد بـ « الإمبريالية » والمساس بسيادة الدول. ولم يتم استدعاء القانون الدولي، رغم انتهاكه الصارخ من قبل ترامب ونتنياهو.

قطيعة مع « المبادئ الراسخة »

المنعطف الحقيقي يرتبط مباشرة بعودة دونالد ترامب والرغبة الواضحة في تجنب أي احتكاك مع واشنطن. ونتذكر هنا التصريحات التي كادت تكون « خارج الواقع » للسفير الجزائري في الولايات المتحدة، صبري بوقادوم، في نوفمبر 2025.

حيث قال رداً على سؤال حول رؤيته لتطور العلاقات الجزائرية الأمريكية: « أنا متفائل جداً. قلتها في بداية العام وأكررها اليوم: بكل صراحة، لا توجد حدود لتعاوننا الثنائي. يمكننا العمل معاً في العديد من المواضيع والقطاعات »، وأضاف: « قلت إن الاحتمالات لا نهائية ».

غزة: تصويت يثير الانزعاج

تأكد هذا الانزلاق خلال التصويت في مجلس الأمن على مستقبل قطاع غزة. فقد دعمت الجزائر نصاً قدمته الولايات المتحدة يشير إلى وجود قوات أجنبية في الأراضي الفلسطينية ونزع سلاح الفصائل، بما في ذلك حماس، وهي الحركة التي يُستضاف قادتها في الجزائر. وبالنسبة لبلد جعل من القضية الفلسطينية ركيزة لدبلوماسيته، فإن الإشارة قوية. وقد انتقدت حركة مجتمع السلم (حمس) ذلك قائلة: « إن التصويت الجزائري، مهما كانت مبرراته أو مصدره، لا يتوافق مع المبادئ التاريخية والسياسية للدبلوماسية الجزائرية ولا مع مواقفها المشرفة التي دعمت دائماً قضايا المقاومة والتحرير في العالم أجمع ». وأضاف الحزب الإسلامي أن هذا التصويت « لا يعكس أيضاً مشاعر أغلبية الشعب الجزائري الذي ظل وفياً للقضية الفلسطينية ».

حتى حزب العمال، الحليف المعتاد للسلطة، ندد بالقرار الذي « يندرج في إطار مشروع صهيوني-أمريكي واسع يشمل كافة مناطق المشرق والمغرب العربي دون استثناء ».

غداة التصويت، في 18 نوفمبر، حاول وزير الخارجية أحمد عطاف تبرير موقف الدبلوماسية الجزائرية قائلاً: « إن القرار المعتمد لا يمس بأي حال من الأحوال أسس حل عادل ودائم ونهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ». دبلوماسية رفيعة على طريقة عطاف!

الانقلاب تجاه سوريا

تكرر السيناريو نفسه مع سوريا « الأسد »، التي كان يدعمها النظام الجزائري عادة. فبينما كانت الجزائر قد دافعت قبل سائر الدول عن إعادة الإدماج الكامل لبشار الأسد في الساحة الإقليمية والجامعة العربية، تغيرت النبرة فجأة بعد سقوطه في ديسمبر 2024. وأظهر النظام الجزائري تحفظاً شديداً عقب وصول السلطة الجديدة (الإسلامية رغم ذلك) في دمشق. ولم يحدث أي اتصال رسمي حتى زيارة أحمد عطاف لدمشق في أوائل فبراير، أي بعد أكثر من عام على سقوط حليفهم القديم.

الصحراء الغربية: غموض وصمت

حول مسألة الصحراء الغربية، الركيزة التاريخية الأخرى للدبلوماسية الجزائرية، أصبح الموقف الجزائري الآن « غير مسموع ». خاصة مع الدعم الأمريكي والإسباني والفرنسي للخطة المغربية. وبينما يظل الدعم الرسمي للحق في تقرير المصير قائماً، يلاحظ بعض المراقبين نبرة أقل هجومية تجاه المواقف الأمريكية المؤيدة بوضوح للخطة المغربية. بل ولم يصدر أي تنديد بدعم دونالد ترامب للخطة المغربية. وهنا أيضاً، يجب الاعتراف بأن الأمم المتحدة تبدو خارج اللعبة.

في ضوء صراع القوى الدبلوماسي الجاري، من المرجح أن جزائر تبون ستشاهد، في الأشهر المقبلة، « دفن » 50 عاماً من كفاح البوليساريو دون أن تنبس ببنت شفة.

براغماتية تحت الإكراه؟

يبدو أن ثنائي تبون-شنقريحة قد اختار « دبلوماسية الاصطفاف الشامل »، كاسراً بذلك الموقف المنتمي لـ « العالم الثالث » الذي كانت الجزائر تدعيه لعقود. في الواقع، هذه الانتهازية الدبلوماسية تتعلق ببقاء النظام كما عرفناه منذ الاستقلال.

ويبقى السؤال: إلى أي مدى هم مستعدون للذهاب لتجنيب النظام تسليط الأضواء عليه؟

بقلم: رابح آيت عباش

Le Matin d’Algérie, 05/03/2025

#Algérie #Iran #EtatsUnis #Israël #SaharaOccidental #Polisario

الجزائر #إيران #الولايات المتحدة #إسرائيل #الصحراء_الغربية #البوليساريو#

Visited 31 times, 41 visit(s) today