في أحد تعليقاته النادرة، أوضح "كريس كولمان" — الذي يُبدي تعاطفه مع استقلال الصحراء الغربية — أن هدفه هو «زعزعة استقرار المغرب». وبالتأكيد لم ينجح في تحقيق ذلك، لكنه رغم افتقاره للاحترافية على الشبكات الاجتماعية، فقد هز أركان "المخزن".
Tags : المغرب، الصحراء الغربية، جبهة البوليساريو، الأمم المتحدة، كريستوفر روس، كيم بولدوك، المينورسو، تسريبات المغرب، الهاكر كريس كولمان.
«ويكيليكس مغربي» يهز السلطة
بقلم: إيغناسيو سيمبريرو 15 ديسمبر 2014
منذ شهرين، يقوم حساب شخصي مزيف على تويتر بنشر أسرار المملكة. ولا تجرؤ الحكومة ولا الأحزاب السياسية على تحليل أو مناقشة تداعيات قرصنة آلاف البرقيات الدبلوماسية المغربية.
في الظاهر لا يبدو احترافياً للغاية، ومع ذلك فقد نجح في إرباك سلطات البلد الذي يُعتبر الأكثر استقراراً في شمال أفريقيا: المغرب. فمنذ الثاني من أكتوبر، يقوم حساب مجهول كريس_كولمان_24 بنشر مئات البرقيات التابعة للدبلوماسية المغربية، والمديرية العامة للدراسات والمستندات — وهي المعادل المغربي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو الإدارة العامة للأمن الخارجي الفرنسي — وأيضاً رسائل إلكترونية لصحفيين يبدو أنهم مقربون منها. بل وقام بنشر صور خاصة، مثل صور زفاف الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية، مباركة بوعيدة، والتي لا تحمل أهمية تذكر.
يتم صبّ كل هذا على الشبكة في فوضى عارمة — حتى أن بعض الوثائق نُشرت ثلاث مرات — وبتنسيقات متنوعة للغاية. الشخص الذي ينتحل صفة « كريس كولمان »، مدرب المنتخب الويلزي لكرة القدم، بدأ عمليات النشر على فيسبوك، لكن صفحته أُغلقت، فهاجر إلى تويتر، حيث واجه حسابه المصير نفسه قبل أن ينجح في إقناع الشركة بإعادة فتحه.
كانت تغريداته تحيل إلى وثائق مرفوعة على مواقع تخزين ومشاركة الملفات مثل « دوروبوكس » و »ميديا فاير » و »فور شيرد »، لكن حساباته على هذه المواقع أُغلقت أيضاً. وكان يشتكي على تويتر قائلاً: «صحيح أنه منذ أيام قليلة، كثف المخزن ضغوطه لثنيي عن الاستمرار»، وأضاف: «لقد جند موارد ضخمة، خاصة مالية، لمنع انتشار المعلومات»، واعداً بمواصلة القتال حتى لو كلفه ذلك حياته. وتشير البيانات الوصفية المرتبطة بتغريداته إلى أنه موجود في المغرب، لكن من المحتمل أن يكون قد نجح في تضليل تويتر بشأن مكانه الفعلي.
دولة في خلاف مع الأمم المتحدة
تظهر لعبة « القط والفأر » هذه إلى أي مدى يبدو الشخص الكامن وراء هذا الحساب المجهول بعيداً كل البعد عن احترافية جوليان أسانج، الرجل الذي تحدى الولايات المتحدة في عام 2010 من خلال تسريب 250 ألف برقية لوزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع أربع وسائل إعلام كبرى.
في أحد تعليقاته النادرة، أوضح « كريس كولمان » — الذي يُبدي تعاطفه مع استقلال الصحراء الغربية — أن هدفه هو «زعزعة استقرار المغرب». وبالتأكيد لم ينجح في تحقيق ذلك، لكنه رغم افتقاره للاحترافية على الشبكات الاجتماعية، فقد هز أركان « المخزن ».
جودة المادة المنشورة هي السبب في ذلك؛ حيث نكتشف دولة مغربية غاضبة من الأمانة العامة للأمم المتحدة، وعلاقات متوترة مع وزارة الخارجية الأمريكية. على سبيل المثال، يرفض المغرب منذ مايو 2014 تولي الكندية كيم بولدوك مهامها في العيون، بعد تعيينها على رأس بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).
كما تضع الرباط باستمرار العراقيل في طريق مهمة الأمريكي كريستوفر روس، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى الصحراء، وهو وسيط يهتم كثيراً بحقوق الإنسان ويميل في جوهره إلى منح الحكم الذاتي لهذا الإقليم لحل النزاع. وفي برقية لعمر هلال، سفير المغرب آنذاك لدى الأمم المتحدة في جنيف، وُصف روس بأنه « مدمن كحول »، وأصبح « أخرقاً مع تقدمه في السن » (71 عاماً)، لدرجة أنه لا يستطيع حتى ارتداء سترته بمفرده.
ولعل أبرز ما كشفت عنه التسريبات هو الاتفاق الشفهي السري الذي أُبرم في نوفمبر 2013 في البيت الأبيض بين الرئيس باراك أوباما والملك محمد السادس. وبموجبه، تخلت الولايات المتحدة — كما فعلت في أبريل من ذلك العام — عن مطالبة مجلس الأمن بتوسيع صلاحيات « المينورسو » لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، مقابل الحصول على ثلاث تنازلات: أولاً، يتوقف المغرب عن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية؛ ثانياً، يسهل زيارات مسؤولي المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى الصحراء؛ وثالثاً، يشرعن الجمعيات الصحراوية المطالبة بالاستقلال مثل « تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان » (كودسا) الذي ترأسه الناشطة أميناتو حيدر. وبشأن النقطة الأخيرة، لم يفِ المغرب بوعده بعد.
وإذا كانت علاقات المغرب سيئة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، فإنها في المقابل أفضل بكثير مع هيئتين أمميتين هما المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في جنيف. فقد عرفت الدبلوماسية المغربية كيف تكسب أصدقاء بين كبار الموظفين الذين يزودونها بالمعلومات حول تحركات خصومها، بل ويساعدونها في إحباط مشاريعهم أو تشويهها. ومن الأمثلة على ذلك، الإقامة شبه السرية في جنيف عام 2012 لمحمد عبد العزيز، زعيم جبهة البوليساريو ورئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
أما بالنسبة لعملاء « المديرية العامة للدراسات والمستندات » ومتعاونيهم، فهم ينجحون — مقابل مبالغ مالية — في جعل صحفيين ومراكز أبحاث فرنسية وأمريكية وحتى إيطالية ينشرون مقالات وتحليلات تدعم الأطروحات المغربية وتضر بالجزائر وجبهة البوليساريو. كما تعمل المديرية، عبر وسطاء، على استمالة « اللوبي اليهودي » في الولايات المتحدة أملاً في أن يضغط على إدارة أوباما لتكون أكثر تفهماً للموقف المغربي. كما نعلم أيضاً أن إسرائيل والمغرب حافظا، على الأقل في عامي 2011 و2012، على حوار سياسي دائم.
إن قراءة مئات البرقيات تُظهر في نهاية المطاف دبلوماسية مغربية ترى العالم من منظور الصحراء فقط. هذه القطعة من الصحراء موجودة في كل مكان: في اجتماعات مجلس الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وفي الزيارات الوزارية لأوروبا، وحتى في العلاقات مع دول بعيدة مثل باراغواي. هذا « الهوس » بالصحراء يجعل المغرب لا يهتم كثيراً بالنقاشات الأخرى التي تدور في الكوكب، ولا يتدخل فيها إلا إذا كان بإمكانه تحقيق مكسب لما يسميه الدبلوماسيون المغاربة بـ «القضية الوطنية».
لا رد فعل رسمي
كان كريس كولمان وتغريداته، في الأسابيع الأخيرة، محور كل الأحاديث في أروقة البرلمان بالرباط، وفي المقاهي التي يرتادها كبار الموظفين، وفي حفلات الاستقبال الدبلوماسية. ومع ذلك، لم يصدر أي توضيح علني من الحكومة حول هذا الخلل في نظام الاتصالات، ولا عن التحقيق المفترض أو عواقبه السياسية. كما أن المعارضة لم ترَ ضرورة لمساءلة الجهاز التنفيذي.
أما الصحافة، فقد مرت في غالبيتها مرور الكرام على القضية، متبنيةً في الغالب أطروحة مباركة بوعيدة التي اعتبرت أن وراء هذا الحساب المزيّف «عناصر موالية للبوليساريو» تعمل بدعم من الجزائر. وبعد أكثر من شهرين على التسريبات الأولى، حذا وزير الخارجية صلاح الدين مزوار في مجلس المستشارين والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي أمام الصحافة حذوها، قائلين: «إنها حملة مسعورة ومنظمة من طرف الخصوم تهدف إلى المساس بالمغرب وصورته وقوته».
سياسة النعامة هذه التي تنتهجها حكومة وطبقة سياسية لا تريد — أو لا تجرؤ — على مناقشة « ويكيليكس » على المقاس المغربي، تبرز أيضاً الفرق مع الولايات المتحدة التي قامت في نهاية عام 2010 بالتحقيق والتحدث علناً عن تداعيات تلك التسريبات الضخمة على سياستها الخارجية وصورتها في العالم. لم يخاطر المغرب بهذا التمرين.
السلطة التنفيذية المغربية ليست واثقة بما يكفي من نفسها؛ فهي تشعر بأنها مضطربة للغاية بشأن صحرائها « الخاصة » لدرجة تمنعها من مناقشتها في الساحة العامة. إن بعض النكسات الدبلوماسية التي تعرضت لها تجعلها تنسى أن القوى الكبرى في المجتمع الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترغب في أن يكون الحكم الذاتي هو الحل لإنهاء صراع دام 39 عاماً. وهم يقولون ذلك منذ عدة سنوات، تماماً مثل الإليزيه والحكومات المتعاقبة في إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة. إذ يُخشى أن استقلال الصحراء قد يعني زعزعة استقرار المغرب، وهو ما لا يريده أحد في أوروبا أو أمريكا.
ولكي يمضي عرض الحكم الذاتي المغربي قدماً، يجب أن يكون ذا مصداقية. وهذا يعني قبل كل شيء أن على الرباط التوقف عن ضرب — أو الأسوأ، سجن — أولئك الذين يدعون لتقرير المصير في الصحراء ويخرجون إلى الشوارع في السمارة أو الداخلة أو العيون للمطالبة بذلك.
هذه الرسالة التي تحذر من العواقب الوخيمة للقمع غير المتناسب، يتم نقلها من حين لآخر للمغاربة من قبل محاوريهم الغربيين، بدءاً من كريستوفر روس، وفقاً للبرقيات التي تم الاطلاع عليها. بل وقد رددها ضمناً، في يناير 2014، إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، خلال مناقشة في الرباط حول تنفيذ اتفاق واشنطن السري، وفقاً لتقرير عن ذلك الاجتماع. لكن الرسالة لا تصل، والرباط تصمّ آذانها.
Orient XXI : المصدر
الهاكر_كريس_كولمان# #تسريبات_المغرب #الصحراء_الغربية #المغرب #الدبلوماسية_المغربية
