منذ سنوات، لم يعد يخفى على أحد أن علي الحمة، الصديق الشخصي للملك ومستشاره الأقرب للشؤون الأمنية والسياسية، قد تحول إلى مركز السلطة الفعلي.. فكل الخيوط تمر عبره، وكل التعليمات تصدر منه، حتى تلك التي يُفترض أن تصدر من الملك شخصيًا
Tags : المغرب محمد السادس فؤاد علي الهمة عبد اللطيف الحموشي جبروت جيل زد DGST
قراءة في تغوّل الدولة الأمنية وتراجع السلطة الملكية
ما ورد في بلاغ مجموعة ** جبروت ** بتاريخ 2 أكتوبر 2025 لم يكن مجرد تسريب عابر، بل وثيقة سياسية خطيرة تُسقط ورقة التوت عن النظام المغربي وتكشف حجم التصدع داخل بنية الحكم نفسها.
أخطر ما ورد في البلاغ هو تأكيده أن الملك لم يُطلع بعد على تفاصيل المظاهرات أو المطالب أو حتى أعداد الضحايا، وهذه المعلومة، إن صحت، تقلب كل المفاهيم التي بُنيت عليها أسطورة ** الملكية التنفيذية ** في المغرب، لتطرح سؤالًا عميقًا ومزعجًا.. هل ما زال الملك هو من يحكم فعلاً؟؟ أم أن البلاد إنتقلت إلى مرحلة أصبح فيها المستشارون ورجال الأمن هم من يقررون، بينما يكتفي الملك بدور رمزي وشكلي؟؟
منذ سنوات، لم يعد يخفى على أحد أن علي الحمة، الصديق الشخصي للملك ومستشاره الأقرب للشؤون الأمنية والسياسية، قد تحول إلى مركز السلطة الفعلي.. فكل الخيوط تمر عبره، وكل التعليمات تصدر منه، حتى تلك التي يُفترض أن تصدر من الملك شخصيًا.. في المقابل، يمثل عبد اللطيف الحموشي الذراع الأمنية الحديدية لهذا المخزن الجديد، حيث بات الأمن هو من يصنع السياسة لا العكس. فالبلاغ يشير بوضوح إلى أن الحموشي تلقى أوامره مباشرة من الحمة للتعامل مع إحتجاجات جيل Z ** بالحزم والقوة **، وأن خطة الترهيب كانت خيارًا أمنيًا صرفًا لا علاقة له بمؤسسات الدولة الدستورية، وكأن المغرب لم يعد دولة يحكمها ملك، بل فضاءً تُديره أجهزة أمنية (( مافيا )) تتحرك دون مساءلة أو رقابة.
الملك، وفق هذا المنطق، لم يعد الحاكم بل أصبح ** الواجهة **، وما يُعرض عليه من تقارير يُنتقى بعناية، وما يُخفى عنه يُعتبر من صميم ** التحكم **، فالمخزن اليوم ليس مجرد منظومة مساندة للملكية كما كان في الماضي، بل أصبح سلطة موازية، بل متقدمة عليها.. الدولة العميقة إستولت على مفاتيح القرار، وأحاطت الملك بجدار من المستشارين والمصالح والولاءات التي تضمن بقاءها مهما تغيرت الظروف، وما دام الملك لا يملك الجرأة على كسر هذا الجدار، فإن الحكم لم يعد ملكيًا بقدر ما هو (( أمنوقراطي )) أي حكم الأجهزة الأمنية.
إن النظام المغربي يعيش مفارقة خطيرة.. الخارج ما زال يتعامل مع الملك بإعتباره القائد الأعلى وصاحب القرار الأول، لكن الداخل يعلم أن القرارات الكبرى تُطبخ في مطبخ الحمة والحموشي، وتُقدَّم جاهزة للتوقيع دون نقاش، هكذا تحولت الملكية من مصدر القرار إلى مجرد ختم على ما يقرره غيرها.. لذلك، حين تتحدث مجموعة ** جبروت ** عن أن الملك لم يُطلع بعد على ما يجري، فإنها في الواقع تصف حقيقة أعمق.. غياب الدولة لصالح شبكة من المصالح الأمنية والسياسية والإقتصادية التي تحكم بإسم الملك ولكن دون الملك.
المخزن اليوم أقوى من الملكية.. وهذه ليست مبالغة، بل نتيجة طبيعية لتراكم عقود من تفويض القرار للمقربين والأجهزة، مقابل تحييد الشعب وإفراغ السياسة من معناها، فالأحزاب فقدت دورها، والبرلمان تحول إلى ديكور، والقضاء إلى أداة طيّعة، ولم يبق في الواجهة سوى جهاز أمني متغوّل ومستشار نافذ يختزل كل شيء في نفسه، بينما الشعب المغربي يدفع ثمن هذا الإختلال البنيوي في شكل قمع، وتضليل، وإحتقان إجتماعي غير مسبوق.
ومع ذلك، فإن محاولة بعض الجهات (( بما فيها مجموعة ** جبروت ** )) تقديم صورة الملك كغائب أو ضحية وسط هذا الجهاز الأمني ليست سوى تبرير ساذج أو متعمد لتخفيف المسؤولية عن رأس النظام.. فالدستور المغربي واضح في تحديد موقع الملك وصلاحياته، إذ هو رئيس الدولة، رئيس المجلس الحكومي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، رئيس المجلس الأعلى للأمن، ومناصب عدة… فهو من يعين الحمة والحموشي ويمنحهما كل السلطات… فلا يمكن لأي إجراء من هذا الحجم أن يتم دون علمه أو رضاه، سواء كان ذلك بقرار مباشر أو بصمت مقصود.
إن تصوير الملك كرهينة في يد أجهزته ليس سوى جزء من إستراتيجية المخزن ذاته لتبييض صورة القصر وتصدير المسؤولية إلى الحلقة الأمنية أو الحكومية، بينما الحقيقة أن الملك حاضر في صلب ما يجري، ومسؤول سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا عن كل ما يصدر عن مؤسسات الدولة بإسمه، والقول بأن ** المخزن أقوى من الملك ** فيه شيء من التبسيط، لأن المخزن في جوهره هو الملكية حين تتخفى خلف أدواتها الأمنية والإدارية لتجنب الإصطدام المباشر مع الشارع.
إن أخطر ما يواجه المغرب اليوم ليس إنفجار الشارع فحسب، بل غياب المسؤول الفعلي عن أي قرار.. لا أحد يعلم من يأمر ومن ينفذ، ولا أحد يجرؤ على المساءلة، وهكذا عندما تتحول الأجهزة إلى سلطة فوق السلطة، وتصبح إرادة الشعب مجرد تفصيل مزعج في معادلة الحكم، فإننا نكون أمام نظام لم يعد يعرف من هو الحاكم الحقيقي فيه.
ما كشفه بلاغ ** جبروت ** ليس حادثًا معزولًا، بل علامة على مرحلة جديدة من التآكل الداخلي للملكية نفسها، فحين يصبح الملك آخر من يعلم، فإن معنى (( الملكية )) يفقد جوهره، ويصبح النظام محكومًا بدينامية خوف متبادل.. الأجهزة تخشى فقدان نفوذها، والملك يخشى كسر منظومة يعتمد عليها للبقاء، بينما الشعب يُسحق بين الطرفين.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة هو.. من يملك القرار في المغرب؟؟ الملك أم المخزن؟؟ أم أن الإثنين أصبحا وجهين لبنية واحدة تحكم بالإستبداد وتُدار بالخداع؟؟ الجواب لم يعد يحتاج إلى تأويل؛ يكفي أن نرى من يُعطي الأوامر، ومن يُنفذها، ومن يُحاسب… لنفهم أن المغرب يعيش اليوم تحت سلطة مركبة عنوانها الظاهر ** الملكية **، وجوهرها الحقيقي ** المخزن **، حيث تذوب الحدود بين الحاكم والأداة، وتبقى الحقيقة الوحيدة أن الشعب المغربي هو الطرف الوحيد الغائب عن الحكم، رغم أنه صاحب الشرعية الأصلية.
محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
