Tags : الصحراء الغربية، المغرب، تكاليف الصحراء
تحليل سياسي لخطاب محمد السادس بمناسبة عيد العرش 2025
محمد قنديل – مدوّن، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
مرة أخرى، يطل محمد السادس على المغاربة من أعلى عرش الحكم المطلق، ليردد نفس الأسطوانة المشروخة التي إعتاد بثها منذ عقود.. الحديث عن » النجاحات « ، تمجيد » الإستقرار « ، وتقديم » الحكم الذاتي » كحل لقضية الصحراء الغربية، وفي خطابه الأخير بمناسبة ما يُسمّى » بعيد العرش « ، عاد الملك ليخاطب المغاربة وكأنهم قطعان بلا ذاكرة، متغاضيًا عن التناقض الصارخ في كلماته، وعن الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد.
التناقض البنيوي.. ترحيب بالمحتل وإنكار للواقع
في حديثه عن قضية الصحراء الغربية، رحّب محمد السادس مجددًا بالدول التي تدعم ما يصفه » بمقترح الحكم الذاتي « ، معتبرًا إياه » الإطار الوحيد » للحل.. هذا في الوقت الذي يعلم فيه الجميع (( بما فيهم أنصاره )) أن هذا المقترح لا وجود له فعليًا سوى في أدبيات المخزن وبلاغات الخارجية، بينما ترفضه الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ( البوليساريو )، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، ولا تعترف به الأمم المتحدة كحل نهائي.
ثم يتناقض الملك مع نفسه عندما يصرّح بأنه » لا غالب ولا مغلوب » في هذه القضية، موجّهًا كلامه لممثل الشعب الصحراوي.
كيف يكون الأمر كذلك، والنظام الذي يقوده يرفض أي إستفتاء، ويعتقل ويقمع كل من يتحدث عن تقرير المصير؟؟
كيف لا يكون هناك » غالب « ، والآلة الدعائية والإعلام والقمعية للدولة تصوّر المغرب وكأنه » منتصر » في ملف لم يُحسم بعد، لا قانونيًا ولا دبلوماسيًا ولا سياسيًا طيلة 51 عامًا من التمطيط الذي يتقنه المخزن؟؟
الوجه الحقيقي للتحالفات.. شراء الذمم لا غير
ما يسمى » بالدول الداعمة » للحكم الذاتي، ليست إلا دولًا خضعت لمنطق الصفقات والإبتزاز السياسي والإقتصادي… بعضها أغرته إتفاقيات الفلاحة والصيد البحري، وبعضها الآخر خضع لإبتزازات مالية أو وعود إستثمارية مغشوشة، في إطار ما يمكن تسميته
» بدبلوماسية الشكارة « .. فلا الولايات المتحدة، ولا إسبانيا، ولا الدول الخليجية، تدعم المغرب حبًا فيه أو إقتناعًا بعدالة موقفه، بل حمايةً لمصالحها الإقتصادية أو الأمنية في المنطقة، أو لتمرير أجندات أبعد من المغرب نفسه.
أما باقي الدول التي فتحت ما يسمى » بقنصليات » في مدن الصحراء، فهي في معظمها كيانات هشة سياسيًا وإقتصاديًا، وبعضها لا يتجاوز وزنه السكاني أو السياسي حجم حي في الدار البيضاء أو فاس، ومع ذلك يقدمها النظام كأنها نصر دبلوماسي خارق، في محاولة بائسة لتضليل الرأي العام الداخلي.
أسطوانة » الوحدة الترابية « .. تجارة سياسية على جثث المغاربة
لم تعد أكذوبة » الوحدة الترابية » سوى سبوبة سياسية يتاجر بها الملك وحواريّوه من سماسرة المخزن، لتبرير القمع وتبييض الفساد ونهب الثروات… فالشعب المغربي، وخاصة نخبه المثقفة وأحراره، باتوا يدركون أن إحتلال الصحراء الغربية لا يخدمهم، بل يُستخدم لتضليلهم وخنق أصواتهم، وتبرير عسكرة الدولة وإستمرار القبضة البوليسية.
الإحتلال المكلف للصحراء الغربية يتم على حساب كرامة وحقوق المواطن المغربي نفسه، إذ تُخصص سنويًا مليارات الدراهم من ميزانية الدولة لتأمين الصحراء، وتعزيز الوجود العسكري والإستخباراتي فيها، وتمويل مشاريع فاشلة ومهرجانات تافهة تُغدق فيها الأموال على شركات مقربة من القصر، بينما في المغرب تعاني المستشفيات من الإنهيار، والمدارس من الإهمال، والبطالة من الإنفجار.
كيف لنظام فشل في تأمين الخبز والدواء والتعليم لأبناء الشعب المغربي، أن يزعم أنه سيمنح » حكمًا ذاتيًا » للشعب الصحراوي؟! أي منطق أعوج هذا الذي يريدنا أن نصدق أن ملكًا لم يُوفّر كرامة لشعبه، سيمنحها لغيره؟!
لقد أصبح واضحًا أن من يرفعون شعارات » الوطنية » و » الدفاع عن الصحراء » هم في الحقيقة مجرد أبواق مأجورة لبابور المخزن، يبيعون الوهم بإسم الأرض، بينما يفرّطون يوميًا في الإنسان، ويغتالون آمال المغاربة بإسم راية لم تعد توحّد أحدًا، بل تُستخدم لإبتزاز الداخل وتلميع صورة متهالكة في الخارج.
بين السردية الترابية وتهيئة المسرح للتوريث
إن عودة الملك المتهالك لإثارة ملف الصحراء الغربية في هذا التوقيت، لا تُفهم فقط في سياق المزايدات المعتادة على ما يسمّى » الوحدة الترابية « ، بل تندرج ضمن محاولات يائسة لإعادة ترتيب الرواية الرسمية، تمهيدًا لما يبدو أنه إنتقال سلس للعرش إلى إبنه بالتبني، ولي العهد الحسن، فالملك يعلم جيدًا أن شرعيته السياسية باتت مهترئة، وأن قبوله الشعبي تآكل، وأن الملفات الداخلية المنفجرة من فساد، قمع، إنهيار إقتصادي، وتفكك إجتماعي لم تعد تُدار بالخطابات أو الولاءات.
لذلك، يحاول أن يُورّث » قضية الصحراء » كميراث رمزي لإبنه بالتبني، بإعتبارها حجر الأساس في سردية الدولة المخزنية، حتى لو كانت على حساب المغاربة أنفسهم، الذين لم يجنوا من هذه
» القضية الوطنية » سوى مزيد من الفقر والتجهيل والقمع.
إزدواجية الخطاب تجاه الجزائر.. تودد في العلن وتآمر في الخفاء
لم يفوّت الملك الفرصة في خطابه دون محاولة دغدغة مشاعر الشعب الجزائري، متحدثًا عن روابط الإخوة والجوار، في الوقت الذي لا يتوقف فيه نظامه عن التآمر على الجزائر سياسيًا وأمنيًا، والترويج لحملات دعائية خبيثة تستهدف مؤسساتها وإستقرارها. فكيف لمن يتودد بالكلام أن يكفّ عن الطعن في الظهر؟! إن هذه الإزدواجية المقيتة لم تعد تنطلي على أحد، ويعرفها الشعب الجزائري جيدًا، شعبٌ أثبت دائمًا أنه أوعى من خطابات المخزن ومناوراته الرخيصة.
الخلاصة.. لا صدقية ولا شرعية
خطاب محمد السادس لا يحمل جديدًا، لا من حيث المضمون ولا من حيث النوايا.. هو مجرد محاولة جديدة لإعادة تدوير الفشل وتسويقه كنجاح، وللتغطية على الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام، سياسيًا وإقتصاديًا وأخلاقيًا.
أما القضية الصحراوية، فهي ستظل جرحًا مفتوحًا، ليس لأن الصحراويين يرفضون » الحكم الذاتي » فحسب، بل لأن النظام المغربي يرفض المصالحة مع شعبه أولًا، ويصرّ على إحتلال أرض ليست له، بإسم شعارات جوفاء لم تعد تنطلي حتى على الأطفال.
المصدر: فيسبوك

