Tags : المغرب الصحراء الغربية حرب العصابات موريتانيا
هذه الوثيقة المرفوعة عنها السرية من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بعنوان « نزاع الصحراء الغربية: عبء المغرب »، تُقيّم أن المغرب يفقد السيطرة على الصحراء الغربية بسبب فاعلية حرب العصابات التي يشنها جبهة البوليساريو، والتي تحظى بدعم كبير من الجزائر.
الأحكام الرئيسية تشمل:
تفوق البوليساريو:
تستغل جبهة البوليساريو، بقوة مقاتلة تتراوح بين 3000 و5000 مقاتل، تضاريس الصحراء بشكل فعّال. ورغم أنهم قد لا يتمكنون من طرد الجيش المغربي بالكامل، فإنهم قادرون على جعل الوجود المغربي غير قابل للاستمرار. ويُعزى نجاحهم إلى الإمداد العسكري الجزائري المستمر ووجود ملاجئ آمنة.
صعوبات المغرب:
انسحاب موريتانيا من النزاع أتاح للبوليساريو تركيز جهودها على المغرب وحده. ورغم أن ضم الملك الحسن الثاني للصحراء عام 1975 لقي تأييداً شعبياً في البداية، إلا أنه تحول لاحقاً إلى عبء سياسي واقتصادي. يواجه الحسن خسارة كبيرة في هيبته، وقد يتعرض عرشه للخطر إذا قدم تنازلات. وتوصف القوات المغربية بأنها دفاعية، مع تراجع في الكفاءة نتيجة ضعف الصيانة، نقص قطع الغيار، فشل استخباراتي، وانخفاض الروح المعنوية.
الدعم الجزائري:
تواصل الجزائر دعمها القوي للقومية الصحراوية، وتوفر لجبهة البوليساريو المأوى والدعم المادي. ويُعتبر التوصل إلى تسوية تفاوضية بدون وساطة خارجية غير مرجح.
الآفاق المستقبلية:
تشير الوثيقة إلى أن المعارضة الداخلية في المغرب للحرب قد تتزايد، مما يضعف موقف الملك الحسن التفاوضي. ويُتوقع استمرار حرب العصابات التي تنفذها البوليساريو، ما يمنحها انتصارات دعائية. ومن المرجح أن تلتزم موريتانيا بوقف إطلاق النار وقد تنسحب بالكامل.
أهداف وتحالفات البوليساريو:
بفضل نجاحاتها، قد تصبح البوليساريو والجزائر أقل استعداداً لتقديم تنازلات، وربما تطالبان باعتراف المغرب بحق الصحراويين في تقرير المصير وتنازلات إقليمية. كما أن قيام « دويلة » صحراوية مستقلة في القطاع الموريتاني سيكون غير مستقر وقد يُستخدم كقاعدة لتمرد مستمر. بدعم قوي من الجزائر، أصبحت البوليساريو قوة سياسية وعسكرية ذات شأن، ويقودها قوميون عرب واشتراكيون غير ماركسيين يسعون لإقامة جمهورية عربية اشتراكية مستقلة غير منحازة. وقد نالت حكومتهم في المنفى (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) اعترافاً دولياً، رغم محاولات المغرب لإفشال ذلك. وتتحالف البوليساريو عن قرب مع الجزائر وليبيا، لكنها تحتفظ بأجندتها الخاصة. ومن المرجح أن تُقيم الدولة الصحراوية المستقلة علاقات وثيقة مع الجزائر وليبيا، وتتخذ موقفاً غير منحاز، وإن كانت قد تكون معرضة للتأثير السوفيتي والكوبي.
انسحاب موريتانيا:
أدى الانقلاب في يوليو 1978 في موريتانيا إلى انسحاب فعلي من الحرب، حيث سعى النظام الجديد، تحت ضغط هجمات البوليساريو، لإنهاء التدخل. تقبل موريتانيا الآن تقرير المصير الصحراوي وسيطرة البوليساريو الفعلية على قطاعها السابق، وتبدي انفتاحاً على إجراء استفتاء. إلا أن البوليساريو تطالب بانسحاب موريتاني كامل من القطاع، وسحب القوات، والاعتراف الدبلوماسي بالجمهورية الصحراوية.
علاقات متوترة مع المغرب (وموريتانيا):
إن انخراط موريتانيا مع الجزائر والبوليساريو يولّد احتكاكاً مع المغرب، وهي فرصة تستغلها الجزائر والمقاتلون. وعدم قدرة موريتانيا الاقتصادية على الاستمرار في النزاع يدفع المغرب للبحث عن حل سياسي، رغم أن الرباط تتخذ موقفاً أكثر تشدداً. يخشى الملك الحسن أن تؤدي ردود الفعل القاسية تجاه مبادرات السلام الموريتانية إلى دفع نواكشوط للتخلي كلياً عن مطالبها، مما يعزل المغرب أكثر.
أحد العوائق الكبرى أمام تسوية موريتانية أحادية هو وجود 6000–8000 جندي مغربي على أراضيها، تم إرسالهم بطلب من الحكومة السابقة. ورغم أن الحكومة الجديدة طلبت انسحابهم، إلا أن الملك الحسن وافق بتردد، نظراً للتكلفة السياسية الدولية العالية إذا عرقل اتفاق سلام منفصل.
الضرورات الاقتصادية (بالنسبة لموريتانيا):
إن تجدد القتال سيكون مدمراً اقتصادياً لموريتانيا، حيث شكّلت النفقات الدفاعية 60% من ميزانيتها في السنوات الأخيرة، رغم المساعدات الخارجية الكبيرة. وقد أدت هجمات المقاتلين على خط السكة الحديد لنقل الحديد الخام إلى تقليص كبير في الصادرات، مما أثر على دخل العملة الصعبة. ورغم أن التسوية قد تحسن الآفاق على المدى الطويل، فإن التعافي السريع غير مرجح بسبب انخفاض أسعار الحديد (86% من الصادرات). وتحتاج موريتانيا لتنويع اقتصادها وجذب المزيد من الاستثمارات.
وجهة نظر الجزائر (في ظل النظام الجديد):
تحت قيادة الرئيس الشاذلي بن جديد، تواصل الجزائر دعمها الثابت لجبهة البوليساريو، استمراراً لسياسة الرئيس الراحل هواري بومدين. ويُعزى هذا التصلب إلى الديناميكيات الداخلية للسلطة، حيث يعتمد بن جديد، الذي يفتقر لسلطة بومدين، على دعم الجيش ولا يمكنه تقديم تنازلات.
وتنفي الجزائر وجود طموحات إقليمية، لكنها ترى في الصحراء الغربية أهمية سياسية وأمنية، وتدعم حق تقرير المصير لتعزيز صورتها المناهضة للاستعمار. كما تعارض الجزائر سيطرة المغرب على فوسفات الصحراء، خشية أن يقوّض ذلك تفوقها في شمال أفريقيا. وتغذي التوترات التاريخية، بما في ذلك حرب الحدود عام 1963، هذا الصراع.
الجزائر لاعب حاسم في أي تسوية تفاوضية، لكونها الوحيدة القادرة على الضغط على البوليساريو. ولا تملك الجزائر دوافع حقيقية لتقليص دعمها، إذ أن النزاع يُضعف المغرب بتكلفة منخفضة نسبياً.
خيارات المغرب المحدودة:
ترتبط مكانة الملك الحسن واستقرار نظامه بشكل مباشر بالنزاع في الصحراء. وبينما كانت هناك شعبية أولية لعملية الضم، إلا أن الجمود وارتفاع التكاليف أديا إلى تراجع الدعم. ويُعد فشل تحقيق نتائج ملموسة مصدر إحباط داخلي، خاصة مع توالي الهجمات من البوليساريو وردود الحسن المعتدلة، التي فُسّرت كعلامة ضعف.
تزايد استياء الضباط العسكريين من الوضع الراهن، الذي يتسم بضعف الانضباط، وسوء القيادة، ونقص في اللوجستيات. ولا يملك الملك الحسن سوى خيارات محدودة لحل يحفظ سلطته، فالقوات تخسر الأرض، والتسوية السياسية هي الأمل الوحيد، رغم صعوبات التفاوض بسبب مواقف الأطراف المتشددة.
وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية في المغرب، مع انخفاض احتياطي العملة الأجنبية، وزيادة الديون الخارجية، وتخصيص 40% من ميزانية 1978 للإنفاق العسكري. كما أن تقليص المساعدات السعودية فاقم الأزمة المالية، مما دفع الملك لإعادة التفكير في استمرارية الحرب.
دور القوى الخارجية (الدور السوفيتي):
يتعاطف الاتحاد السوفيتي مع موقف الجزائر، ويدعم الدعوات لتقرير المصير، ويساعد البوليساريو بشكل غير مباشر عبر ليبيا والجزائر (مثلاً: السماح بنقل الأسلحة من المخزون الليبي إلى الجزائر لاستخدامها في الصحراء). وتساعد هذه المقاربة غير المباشرة موسكو على تجنب التورط المباشر وتفادي إغضاب المغرب، التي تربطها بها صفقة ضخمة لتطوير الفوسفات.
ورغم العلاقات العسكرية والاقتصادية الواسعة مع الجزائر، فإن العلاقة ليست دوماً مستقرة، حيث تنتقد الجزائر الطموحات السوفيتية وترفض دوراً خاصاً لها بين دول عدم الانحياز. ولم تعترف موسكو بالجمهورية الصحراوية لتجنب تعريض استثماراتها في المغرب للخطر.
ويُنظر إلى البوليساريو على أنها ذات فائدة محتملة، لكن موسكو تعترف بأن الجزائر هي الداعم الرئيسي لها، ولن تُخاطر بعلاقتها بالجزائر بمحاولة التأثير على البوليساريو مباشرة. ورغم أنها لم تقدم دعماً عسكرياً مباشراً للبوليساريو، فإنها لم تمنع الجزائر من تسليمهم الأسلحة السوفيتية.
في حال استمر القتال، من المرجح أن تحافظ موسكو على توازنها، وربما تسرّع من تسليم الأسلحة للجزائر مع طمأنة الرباط في نفس الوقت. وفي حال نشوب صراع كبير، ستقدم دعماً سياسياً وإعادة تزويد محدود للجزائر، دون تمويل مجهود حربي كامل.
السياسة الأمريكية حاسمة: إذ أن زيادة كبيرة في الشحنات العسكرية الأمريكية إلى الرباط ستضغط على السوفييت لتكثيف دعمهم للجزائر.
المصالح الفرنسية:
تعتبر فرنسا شمال أفريقيا مجال نفوذها، وتهدف إلى ضمان الاستقرار وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية الكبيرة، بما في ذلك جالية فرنسية واسعة.
ورغم موقفها الرسمي المحايد، فإن فرنسا تميل إلى دعم المغرب بسبب الروابط الاقتصادية والعسكرية والمصالح الأمنية المشتركة في أفريقيا.
وتسعى فرنسا لتجنب الانخراط العسكري المباشر أو تصعيد الصراع، لكنها أبدت خيبة أمل من فشل الجيش الموريتاني في التصدي للبوليساريو أو حماية المصالح الفرنسية.
ومع التغيرات في قيادتي الجزائر وموريتانيا، حاولت فرنسا لعب دور وسيط أكثر توازناً، خاصة في ظل العلاقات التجارية الأهم مع الجزائر مقارنة بالمغرب.
وقد تدخلت فرنسا عسكرياً ضد البوليساريو حين هُددت مصالحها، حتى ولو عرّضها ذلك لانتقادات دولية وعداء جزائري.
المصالح الإسبانية:
تقلق إسبانيا بشأن جيوبها الساحلية على الأراضي المغربية، خشية « مسيرة خضراء » إذا تصاعد التوتر مع الرباط.
وتُولي أهمية كبيرة لحماية جزر الكناري، حيث أظهرت الجزائر قدرة على تحفيز الانفصاليين للضغط على مدريد.
كما يتعرض الصيادون الإسبان لتهديدات في السواحل الصحراوية من قِبل قوى مدعومة من المغرب أو الجزائر أو البوليساريو.
وقد أدى التحول الديمقراطي في إسبانيا إلى بروز معارضة اشتراكية تدعم البوليساريو. وتواصل رئيس الوزراء سواريز مع البوليساريو بشكل غير رسمي، وسعى لتحسين العلاقات مع الجزائر.
من المرجح أن تظل مدريد بعيدة عن التدخل المباشر، لكنها قد تعرض الوساطة. وإذا تأسست دولة صحراوية مستقلة، فقد تقدم إسبانيا مساعدات مالية وتقنية محدودة، طمعاً في كسب النوايا الدولية الطيبة وتعويض انسحابها السريع السابق، وربما لضمان الوصول إلى الفوسفات.
لا تسوية في الأفق:
يبدو الحل السلمي للنزاع الصحراوي مستبعداً في المستقبل القريب، إذ من المتوقع استمرار الحرب. وقد فشلت محاولات الوساطة السابقة، ولا تُبدي لا المغرب ولا الجزائر استعداداً للتسوية.
ويزيد الجمود من تعقيد المفاوضات، في ظل تنامي القوة العسكرية للبوليساريو مقابل إحباط الجيش المغربي، مما يُعزز موقف الجزائر المتشدد. ولا تظهر الجزائر أي نية لتقليص دعمها، وهو العامل الوحيد الذي قد يدفع البوليساريو لقبول أقل من الاستقلال الكامل.
يرفض الملك الحسن تقديم تنازلات (تقرير المصير أو إقليمية)، على أمل أن تمارس قوى خارجية كفرنسا أو الولايات المتحدة ضغوطاً على الجزائر، أو أن توفر الوساطة العربية مخرجاً للتنازلات.
في ظل المواقف الحالية، يصعب تصور تسوية سياسية، ومن المرجح أن يستمر التمرد، مما يهدد استقرار المنطقة.
القيود على الحرب المغربية-الجزائرية:
ستستمر هجمات البوليساريو من داخل الجزائر، مما قد يدفع الملك الحسن إلى اتباع سياسة أكثر عدوانية، وسط مطالب شعبية بضرب قواعد البوليساريو داخل الجزائر، رغم تفوق الجيش الجزائري.
لا تملك المغرب خيارات عسكرية حقيقية لمعاقبة الجزائر. وربما يسمح الحسن بعمليات كوماندوس لتهدئة الرأي العام، لكنه على الأرجح لن يُجازف بحرب شاملة قد تستدعي الجيش الجزائري النظامي، لأن الهزيمة أو حتى التعادل ستُكلّفه عرشه.
أي تحرك عسكري مباشر نحو الجزائر سيفشل أي تسوية تفاوضية، ويُضعف الدعم الدبلوماسي للموقف المغربي.
ويُعد فارق القوة العسكرية، خاصة في القوة الجوية والمعنويات، عاملاً رادعاً للمغرب، خصوصاً بعد انسحاب موريتانيا.
ورغم التهديد بملاحقة البوليساريو داخل الجزائر، لم تُنفذ أي عمليات حتى الآن، ولا يُتوقع أن تردع هذه التهديدات المقاتلين.
ويُعد شن هجوم شامل على قواعد البوليساريو في الجزائر « أمراً شبه مستحيل » بسبب حتمية المواجهة مع القوات الجزائرية المتفوقة، وخاصة سلاحها الجوي.
بحث عن حل:
تعتمد فرص السلام المحدودة على وساطة خارجية، خصوصاً عربية، مع إظهار السعودية بعض المؤشرات الإيجابية. أما المنظمات الدولية فقد فشلت حتى الآن.
أفضل، وإن كان ضئيلاً، احتمال للحل يكمن في إقناع المغرب والبوليساريو بقبول قيام « دويلة » صحراوية مستقلة في القطاع الموريتاني. ويُعد دور الجزائر في الضغط على البوليساريو أساسياً.
لكن نظراً لزخم البوليساريو، من غير المرجح أن تقبل بحكم ذاتي فقط. ويتطلب أي حل عملي ما يلي:
تنازلات إقليمية من المغرب (منح جزء من القطاع المغربي للدويلة).
اعتراف جزائري بسيادة المغرب على ما تبقى من الصحراء الغربية.
حوافز اقتصادية للأطراف كافة، بما يشمل مساعدات مالية واستغلالاً مشتركاً للثروات المعدنية.
ضمان وصول الجزائر للمحيط الأطلسي.
تصديق المغرب على اتفاقية الحدود لعام 1972 مع الجزائر.
لكن قبول المغرب بهذه الصيغة يحمل مخاطر سياسية داخلية جسيمة للملك الحسن، ويُعتبر أمرًا غير مرجح، رغم أنه قد يسوق حلاً يحتفظ فيه بمنجم الفوسفات في بوكراع.
حتى لو أُنشئت دويلة صحراوية، فستكون غير مستقرة. من المرجح أن يقاوم قادة البوليساريو حدودها، ويتجاهلوا اتفاقات السيادة، ويستخدموها قاعدة للتمرد على الصحراء المغربية، مع طلب دعم عسكري جزائري، وربما يسعون لاحقاً لتوحيدها مع موريتانيا في دولة إسلامية اشتراكية.
أي تسوية منظورة ستكون غير مستقرة بطبيعتها، ولن تحقق سلاماً دائماً، إذ تؤمن البوليساريو بأنها قادرة على إجبار المغرب على الانسحاب الكامل. ومن المرجح استمرار حرب عصابات طويلة الأمد ما لم يتنازل المغرب أو يتم التدخل الخارجي بشكل كبير.
العلاقات بين المغرب والجزائر ستظل متوترة، مع خطر دائم من تصعيد غير مقصود، لكن العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية ستمنع نشوب حرب شاملة في المستقبل القريب.

